The Policy Initiative

  • eng
    • share
  • subscribe to our mailing list
    By subscribing to our mailing list you will be kept in the know of all our projects, activities and resources
    Thank you for subscribing to our mailing list.
05.06.26

2024 - 2026: القصف الإسرائيلي على صور، أين وماذا؟

تالا علاء الدين,
جنى نخال,
ريان علاء الدين

نُشرت هذه المقالة على موقع استديو أشغال عامة في ٢٩ نيسان ٢٠٢٦، وتُعيد المبادرة نشرها كجزء من مشروعها المشترك "نحو مسارات التعافي في صور وبيروت الجنوبية".

 

 كعادتها، تطلق إسرائيل وحشيّتها في الدقائق الأخيرة التي تسبق الهُدَن؛ فعند منتصف ليل الخميس، شنّ الاحتلال خمس غارات عنيفة على حي الكريت السكني المأهول في صور، مسوّياً بالأرض خمسة مبانٍ، أحدها بارتفاع 12 طابقاً، مما خلّف عدداً كبيراً من الجرحى والشهداء الذين لا تزال عمليات انتشالهم من تحت الأنقاض مستمرة.

تأتي هذه المجزرة لتعيد إلى الأذهان تاريخ العنف الإسرائيلي الذي طبع تاريخ المدينة.

فمع أن سكان صور يستذكرون أنّ المدينة بقيَت آمنة نسبياً خلال حرب تموز 2006، حيث لم تُستهدَف على نطاق واسع واقتصر القصف على استهداف أربعة مبانٍ، مقارنةً مع قرى القضاء التي تمّ استهدافها بشكل كبير ومكثّف، لكن الوضع لم يكن هكذا دائماً. ففي اجتياح عام 1982 تعرّضت المدينة لقصف عشوائي كثيف، تبعه اجتياح وحصار، ممّا جعل الحياة في المدينة مهدّدة بشكل يومي. وذلك لأن المدينة كانت في وقتها مركزاً للمقاومة، من حيث ارتباطها باليسار اللبناني ونتيجة عدد المخيمات والتجمّعات الفلسطينية في المدينة وفي محيطها.

أما اليوم، تجد صور نفسها أمام اعتداءات تتجاوز في أدواتها وأهدافها وامتدادها الحروب التي مرّت قبلاً. وفيما شكّلت المدينة مكان نزوح لعدد كبير من القرى المجاورة، قام الاحتلال بالتهديد الجماعي لأحياء ومناطق بأكملها ممّا أدّى إلى تهجير سكّانها قسرياً عدّة مرّات، كما تمّ استهدافها بشكل واسع. فمنذ اندلاع الحرب في 8 تشرين الأول 2023، تعرّضت صور الكبرى لقصف مكثّف بالمسيّرات والطيران الحربي الإسرائيلي امتدّ على مدار 112 يوماً، وخلال فترة التصعيد الجديد والمستمرّ الذي بدأ في 2 آذار، تعرّضت صور الكبرى، حتى 16 نيسان 2026 ، لأكثر من 74 اعتداء استمرّ على مدى 33 يوماً. خلّفت هذه الاعتداءات دماراً كلياً وجزئياً وأضراراً واسعة لم تنل من النسيج العمراني للمدينة فحسب، بل أصابت البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تشكّل جوهر الحياة المدينية فيها.

نستقي هذا النص من بحث أوسع عملنا عليه عن المدينة منذ عام 2023، وثّقنا خلاله نسق القصف على أحيائها، مضيفات رصداً للقصف الإسرائيلي خلال حرب 2026، في محاولة لقراءة توزّع هذا القصف جغرافياً وتأثيراته على المدينة وأهلها. من هنا، إنّ إدراكنا لحجم هذه الخسائر وتوثيق أبعادها المختلفة يمثّل نقطة انطلاق أساسية نحو أرشفة جرائم الإحتلال من جهة، ورسم مسار لتعافي المدينة بعد الحرب من جهة أخرى.

الإنذارات الإسرائيلية: أداة الإبادة المكانية في صور

منذ 23 أيلول 2024، استخدمت إسرائيل ما عُرِفَ ب "أوامر أو إنذارات جماعية بالإخلاء"، ومعها عشرات الإنذارات الفردية التي هدّدت مبانٍ محدّدة، ممّا خلق حالة من الارتباك الدائم والرعب المستمر في صفوف السكان. أمّا خلال التصعيد الأخير الذي بدأ في 2 آذار 2026، فعاد الاحتلال لينفّذ التكتيك نفسه لكن هذه المرّة مع تقليل عدد التهديدات الفردية مقارنةً مع التصعيد السابق وزيادة التهديدات الجماعية التي شملت كافّة مناطق جنوب نهر الزهراني، وبعض المناطق البقاعية وغالبية أحياء الضاحية الجنوبية لبيروت.

 في صور، وخلال حرب الـ66 يوماً تلقّى نطاق المدينة الكبرى (الذي يضم مدينة صور ومحيطها المباشر في بلدات العباسية، وبرج الشمالي، وعين بعال) 7 تهديدات إخلاء جماعية خلال 5 أيام في تشرين الأول والثاني 2024، شملت مساحة تقدّر بـ 3.8 كلم² من إجمالي النطاق. ففي 22 تشرين الأول، استيقظ أهالي منطقة "الحوش" الواقعة شرقي مدينة صور (ضمن النطاق العقاري لعين بعال) على تهديد بإخلاء المنطقة التي تضمّ مئات المباني السكنية الحديثة والمتعددة الطوابق. وفي اليوم التالي، في 23 تشرين الأول، وجّه الاحتلال تهديد إلى قلب مدينة صور، وتحديداً "حي الرمل" الكثيف وذي الطابع السكني-التجاري. وعاد الاحتلال في 28 تشرين الأول ليكرّر الإنذار للحي ذاته، مع توسيع رقعة التهديد نحو الكورنيش البحري لتُلامِس مدخل الجامعة الإسلاميّة، وحيث تتواجد، إلى جانب الأبنية السكنية، مؤسسات تجارية وخدماتية وثقافية، ونحو الشرق لتلامس موقع آثار البص (آثار صور البرية). حينها، جابت فرق الدفاع المدني شوارع المدينة، محذّرةً الناس من ضرورة إخلاء منازلهم في مشهد أعاد إلى ذاكرة أهالي صور أهوال اجتياح عام 1982. ثمّ شهد يوم 21 تشرين الثاني تكثيفاً حاداً للإنذارات، حيث تلقى نطاق صور الكبرى 3 إنذارات متزامنة: أحدها لمنطقة الحوش مجدداً مع توسيع رقعة التهديد، والثاني غطّى مساحة هائلة من بلدة برج الشمالي تضمّنت أكثر من 10 أحياء سكنية وكامل مخيم برج الشمالي للاجئين الفلسطينيين، أمّا الثالث فاستهدف منطقة واسعة أسماها الاحتلال "المعشوق"، وهي تسمية اختزلت عدة أحياء غير رسمية مكتظة في مدينة صور (من بينها المساكن الشعبية، وتجمّع المعشوق الفلسطيني، وحي البلعوطة) تحت مسمّى واحد. وكان آخر إنذار جماعي تلقّته صور في 25 تشرين الثاني، أي قبل يومين فقط من دخول اتّفاق وقف إطلاق النار المزعوم حيز التنفيذ، وشمل هذه المرة القسم الغربي من حي الرمل، بتماس مباشر مع الأحياء التاريخية وموقع آثار صور البحرية المدرج على لائحة التراث العالمي.

 وخلال فترة التصعيد الجديد ، وحتّى 16 نيسان، تلقّى نطاق صور الكبرى إنذاراً في 17 آذار 2026 شمل معظم مساحتها بما فيها مخيمات المدينة، بمساحة تقدّر بـ24.3 كلم². وكانت صور الكبرى قد شُملت أيضاً في التهديدات الجماعية الأربعة لمناطق الجنوب الواقعة تحت نهر الليطاني في 4، 7، 8 و10 آذار 2026 ، وفي التهديدات الإحدى عشر لمناطق الجنوب الواقعة تحت نهر الزهراني في 12، 17، 18، 19، 20، 26 و31 آذار و3، 8، 15 و16 نيسان 2026. هذا فضلاً عن تهديد بالإسم لمخيم الرشيدية في 24 آذار وللشبريحا في 25 آذار 2026.

 إن الخرائط التي نشرها الاحتلال مع الإنذارات كانت مجردة من أي معالم توضح الواقع على الأرض، إذ اختزلت أحياءً كاملة تحت تسميات مُسقطة تعكس نظرة فوقية كولونيالية لمدننا؛ نظرة لا ترى المدن إلا كأهداف عسكرية صماء، وتتعمّد طمس هويتها العمرانية والاجتماعية. إلا أن القراءة الواقعية لهذه المساحات المهدّدة تظهر مدى وحشية الاحتلال في استهداف حيز مكاني يضج بالحياة؛ حيث ضمت المساحات المهددة في صور ومحيطها المباشر أكثر من 19 ألف مبنى، وعشرات المرافق التعليمية والصحية والدينية والأثرية.

لقد شكلت هذه الخرائط مظهراً بصرياً ورمزياً لـ "قتل المدينة"، وعكست نهجاً لتدمير المساحات المدينية يتجاوز الأضرار المادية ليصبح اعتداءً على النسيج الأساسي للحياة الاجتماعية.

في الحقيقة، لا تشكّل هذه التهديدات إنذاراً لإبعاد الناس عن منطقة الخطر. فبالإضافة إلى ترويع السكّان وترهيبهم يسعي الإحتلال من خلالها إلى «تشويه قوانين الحرب واستخدامها كورقة توت يحاول من خلالها ستر جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية التي يرتكبها، بينما هو في الواقع ليس إلا إعلان عن عسكرة مناطق برمّتها وعن ارتكاب جريمة التهجير القسري مع رفع العتب.»1

وفي حالات كثيرة، كان القصف يتمّ دون أي إنذار مسبق، ولعل أبرز مثال على ذلك في صور استهداف "الحارة القديمة" حيث تعرضت لغارة إسرائيلية مفاجئة يوم 28 أيلول 2024، استهدفت منزلاً سكنياً، ممّا أدى إلى استشهاد 8 أشخاص معظمهم من عائلة واحدة2، والغارة التي استهدفت "حي الآثار" لجهة البص في 6 آذار 2026، والتي أدّت أيضاً إلى ارتقاء 8 شهداء. فيما يلي، نقوم بتحليل التوزّع الجغرافي لكافة الضربات على المدينة بنطاقها الواسع، والتي نحاجج أنها والإنذارات تشكّل إبادة جماعية وتهجير قسري مصنّف كجريمة حرب3.

قراءة في جغرافيا الضربات وتوزّع الأضرار

من خلال رصدنا اليومي والمستمرّ للاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية منذ بداية الحرب في تشرين الأول 2023، وعبر تحليل "خريطة الاعتداءات الإسرائيلية" التي أنتجناها، تبيّن لنا أن مدينة صور قد طالتها الغارات الإسرائيلية بـ 142استهدافاً على مدى أكثر من 75 يوماً. شُنّت غالبيتها خلال مرحلتيّ التصعيد العنيف4، وسُجّل خرقان بينهما في فترة وقف إطلاق النار5 بالنظر إلى خريطة التوزّع الجغرافي لهذه الاعتداءات، يمكن الاستنتاج بأنها لم تستثنِ أيًا من أحياء المدينة، إلا أن حدة التدمير تفاوتت جغرافياً تبعاً لكثافة الاستهداف وتكراره، وتفاوت الكثافة العمرانية للأحياء نفسها. وقد سجّل حي الرمل ومحيطه (حي الآثار وغيره) النسبة الأكبر من الدمار على مستوى النطاق العقاري للمدينة، حيث شهد تدمير ما يقارب 48 مبنى بشكل كلي و98 مبنى بشكل جزئي6 حتى منتصف العام 2025. وفي مقابل هذا الثقل التدميري في حي الرمل، طالت الاعتداءات الحارة القديمة، والمدينة الصناعية، كما امتدّ الدمار ليطال الأحياء غير الرسمية، كأحياء المساكن الشعبية والزراعة والبلعوطة، وتجمع المعشوق ومخيّم البص الفلسطينيين.

وما يفسّر ضخامة حجم الدمار والأضرار في صور مقارنةً بعدد الضربات (إذا ما قورنت ببلدات جنوبية أخرى)، هو الطابع التخطيطي والعمراني الخاص للمدينة؛ حيث ينحصر التركز السكاني في كتلة عمرانية ذات مساحة محدودة للغاية، بينما باقي مساحات المدينة مفتوحة، تتوزع بين المواقع الأثرية والشواطئ والمحمية الطبيعية. هذا التراصّ العمراني أدّى إلى مضاعفة أثر الاستهداف؛ بحيث لم يقتصر الدمار والضرر على نقطة سقوط الصواريخ فحسب، بل امتدّ بفعل عصف الانفجارات ليصيب نسيجاً عمرانياً أوسع، محوّلاً جزءاً كبيراً منه إلى ركام متكدّس.

بالنسبة لتصعيد عام 2026، وعلى الرغم من أننا لم نستطع تحديد حجم الضرر الناتج عن الاستهدافات - والذي يتطلب عملاً ميدانياً يصعب إجراؤه في ظل القصف المستمر- إلا أن الغارات الـ74 التي توزّعت على 33 يوماً من أصل 46 يوماً من التصعيد7 - أي بمعدّل 2.2 غارات في كلّ يوم شمل قصف - دمّر معظمها أبنية بأكملها، ما يعطينا مؤشراً تقريبياً على كثافة الضربات وقوّتها. وقد شملت التهديدات خلال هذا التصعيد وللمرّة الأولى مخيّم الرشيدية وتجمّع الشبريحا. ولكن، حتى الآن، المخيمات والتجمعات الفلسطينية في صور ومحيطها شبه آمنة، لم يتركها أغلب أهلها، إلّا في ليلة التهديد الجماعي ليل 17 آذار، على الرغم من استهداف أطراف مخيم البص في 6 آذار، والشبريحا في 15 آذار، وتفجير سيارة مفخّخة عند مدخل مخيم الرشيدية في 31 آذار واستهداف رابيد في 6 نيسان.

وتجدر الإشارة إلى أنه، مقارنةّ مع التصعيد الماضي في 2024، لم يُضرب العمق الاقتصادي للمدينة، في الوقت الذي تتركّز فيه العديد من الضربات على أطراف المدينة والقرى المجاورة (العباسية، مفرق معركة، الحوش)، أحياناً في محاولة لقطع طرق الإمداد بين القرى أو بين القرى وصور.

بالإضافة إلى ذلك، فقد كان القصف خلال التصعيد الأول عنيفاً جداً في اليوم الأول، خاصة في القرى، ممّا دفع الناس للخروج من قراهم بأعداد غير مسبوقة وفي لحظة واحدة نحو صور وغيرها من المناطق التي كانت آمنة نسبياً آنذاك. أمّا خلال تصعيد 2026، فالقصف لم يحصل بنفس القوة والكثافة في اليوم الأول، بل جرى شيئاً فشيئاً8، كما أن العديد من التهديدات لم تُتَرجم قصفاً على الأرض، بالإضافة إلى التجربة السلبية لنزوح عام 2024، 9 ممّا جعل النزوح يأتي على موجات عديدة.

في الأقسام التالية، نحلّل الاعتداءات على المدينة من ناحية آثارها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ليشكل التوثيق في حد ذاته هدفاً للتأكيد على الإبادة المكانية، وأداة لمناقشة اليوم التالي وكيفية تعافي المدينة.

استهداف الكتل السكنية وتفكيك النسيج المجتمعي

من واقع مدينة صور العمراني هذا، وتركز الغارات في صلب أحياء سكنية كثيفة، نبعت حالة تمثّلت بتضرّر تجمّعات سكنية كاملة، أي كتل من المباني المتلاصقة (Clusters)، وتدميرها. وقد تمكنّا من توثيق أضرار جسيمة لحقت بثلاث مجمّعات سكنية على الأقل في التصعيد الحالي. أما جراء عدوان 2024، فقد وثّقنا تضرّر 13 تجمعاً سكنياً، شملت تكتلات مبانٍ في الحارة القديمة، وحي حب الله، وحي المنّاع (المساكن الشعبية)، وأحياء دبوق، وبسما، وسينما الحمرا، والإنجيلية، والدينية، وشاهين، والزراعة، ونزلة أبو ديب، وحي أبو ديب، وحي صوت الفرح.

تتّسم هذه التكتلات السكنية بتنوّع واضح من حيث طابعها العمراني، وتاريخ نشأتها، وظروفها القانونية، وتركيبتها السكانية؛ فمنها ما يحمل طابعاً تراثياً يتألّف من بيوت الحجر الرملي القديمة التي يقطنها مستأجرون قدامى، كما في الحارة القديمة حيث أدت غارة مفاجئة إلى تدمير كلّي لمبنيين متلاصقين وتدمير جزئي في سبعة مبانٍ محيطة. وفي مقابل ذلك، برزت تكتّلات ذات طابع غير رسمي نشأت على أملاك الدولة، مثل التجمع المتضرر في حي المنّاع ضمن المساكن الشعبية، حيث وثّق مسحنا الميداني دماراً كلياً لستة مبانٍ وجزئياً لاثني عشر مبنى آخر بارتفاعات محدودة. كما يبرز نمط ثالث من التكتّلات يجمع بين الأبنية القديمة والجديدة متوسطة الارتفاع، بتركيبة سكانية وحيازة مختلطة بين المالكين والمستأجرين، كما في حي حب الله الذي شهد تدمير 4 مبانٍ كلياً و5 جزئياً.

ولكن بالرغم من هذا التنوّع والفروقات بين التكتّلات، العامل المشترك الأساسي هو أن هذه التجمعات كانت مسكن لعشرات العائلات، ومثّلت فضاءات حيوية تحتضن روابط اجتماعية معقدة تأثرت بشدة بفعل الاعتداءات والدمار.

ففي الحارة القديمة، كانت المباني الصغيرة التي تشكل الكتلة السكنية المتضررة مقسمة إلى عدة وحدات لتتسع لعائلات موسعة؛ كأن يسكن في المبنى الواحد عدّة إخوة مع عائلاتهم. هذه الكتلة الصغيرة كانت تحوي حياة قرابة 16 عائلة يعيشون كأنهم عائلة واحدة مترابطة تجمعهم علاقات قربى وألفة، وقد تأثروا جميعهم على الصعيد النفسي بعد استشهاد 8 أفراد من جيرانهم جراء الضربة وإصابة آخرين منهم. وإنّ من تضرّر منزله كلياً أو جزئياً لم ينسَ أن يتفقّد حال جاره الذي تضرّر منزله ولو بشكل بسيط، في تجسيد لروابط الحي المتينة. ومع ذلك، أدّت الضربة في نهاية المطاف إلى نزوحهم وتشتّتهم وانقطاعهم عن محيطهم بسبب الدمار والركام المتكدّس. يُضاف إلى حالة تضرّر وتدمير تجمّعات سكنية كاملة، تضرّر مبانٍ مرتفعة تُعدّ بمثابة معالم على صعيد مدينة صور، وتتكوّن من عدد كبير من الوحدات السكنية التي تقطنها فئات اجتماعية متنوعة. لا تزال معظم هذه المباني قائمة بركامها المتدلّي، ومن أبرزها: مبنى "برازيليا"، مبنى "Tyre Etoile"، برج عودة، المبنى الذي يتواجد فيه محل "Blend"، وأحد المباني في المدينة الصناعية وغيرها.

يعدّ مبنى "برازيليا" في حي البلعوطة نموذجاً لهذه الأبنية؛ إذ يضمّ 10 طوابق سكنية (3 أو 4 شقق في كل طابق) تحتوي على 32 عائلة، معظمهم من المالكين الذين قدِموا من قرى جنوبية مثل طير حرفا والجبين ومجدل زون وقبريخا في الثمانينات. ينظر سكان المبنى إليه كـ "ضيعة صغيرة" عامودية؛ ولكن هذا الترابط تبدّد بعد تلقّي المبنى ضربة إسرائيلية مباشرة في 19 تشرين الأول 2024، وأدّى إلى نزوح سكانه وتشتّتهم. وقد ردّد لنا السكان عبارات مؤثرة أثناء اللقاء معهم مثل: "نحن يومياً منجي لحد البناية منقعد سوا"، و"يرجعولنا ياها ولو على العضم"، في تمسّك واضح بالمكان ككيان اجتماعي قبل أن يكون مجرد مأوى مادي.

https://drive.google.com/file/d/1JSATVK24tmdolTaWLvoquhMM160qa85U/view?usp=drive_link              https://drive.google.com/file/d/12VW4vI8Om68nNU05p8oQbMddJ0CyHKYw/view?usp=drive_link

 أما في التصعيد الجاري منذ 2 آذار 2026، فقد استهدفت الغارات عدّة تجمّعات سكنية في المدينة وعلى أطرافها، مثل تلك الكائنة في مشروع الرز في 13 آذار، والمساكن الشعبية في 19 آذار، وعلى مفرق معركة في 7 آذار، وفي الحوش خلف مستشفى نجم في 4 نيسان. وكان آخرها استهداف 5 مبانٍ متلاصقة ذات طابع سكني-تجاري في حي الكريت الواقع خلف الكورنيش البحري الجنوبي في المدينة، أحدها بارتفاع 12 طابقاً، وذلك قبل دقائق معدودة من دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ منتصف ليل الخميس 16 نيسان، مخلّفاً دماراً كاملاً للمباني الخمس التي تحوّلت إلى ركام، وأضراراً جسيمة في الأبنية المحيطة، مع سقوط عدد كبير من الجرحى والشهداء المدنيّين. 

https://drive.google.com/file/d/1EcS4vvQtcYnyeeFvb7JYMGay9t6Ippsq/view?usp=drive_link

 القصف يطال المواقع الحيوية

لم تتوقّف تداعيات الدمار في صور عند فقدان الوحدات السكنية، بل امتدّت لتقوّض الركائز المعيشية للمدينة ولشريحة واسعة من السكان. فمن الناحية الاقتصادية، وإن لم يتمّ استهداف سوق صور التجاري المعروف بالسوق القديم، إلا أن الدمار والضرر الناتج عن اعتداءات سنة 2024 طال مبانٍ وتكتلات سكنية في شوارع تجارية حيوية أخرى، تضمّ طوابق أرضية وسفلية مخصّصة للمؤسسات التجارية والخدماتية.

برز ذلك بوضوح في شارع "أبو ديب"، الممتدّ من مستديرة الأورينتال إلى مستديرة كمال جنبلاط، والذي يُعدّ عصب المدينة للمحال التجارية -محال الألبسة بشكل خاص- والمؤسسات. كما طال الدمار مبانٍ واقعة على الكورنيش البحري جنوب المدينة، حيث تسبّبت الاستهدافات بأضرار جسيمة واشتعال حرائق في بعض المقاهي والمرافق السياحية، كما جرى في "مقهى لؤي". وطال الدمار مبانٍ في شارع "سينما الحمرا" أو شارع "حيرام".

ويشكّل "مبنى صفي الدين" في هذا الشارع مثالاً صارخاً على الفقد؛ فالمبنى المدمّر كلياً والمؤلف من 8 طوابق، لم يكن مجرد بناء سكني، بل كان يضم مستودعات كبيرة، من بينها معمل "حلويات البحصلي"، وطابقاً كاملاً لـ "مؤسسة صفي الدين للخردوات". هذه المؤسسة التي تأسّست عام 1963 في الحارة القديمة قبل أن تنتقل لموقعها الحالي بعد اجتياح 1982، كانت تمثّل "مركز البلد" كما وصفها لنا صاحبها عبدالله صفي الدين، وهي المحرّك الأساسي لتجارة الخردوات في المدينة و"كل شيء نحتاجه يُعثر عليه هناك". وبالتالي، فإن غياب هذه المؤسسة يمثّل خسارة اقتصادية وفقداناً لمعلمٍ مدينيّ يتجاوز الخسارة الشخصية لأصحابه.

بشكل عام، تتّسم الأحياء المتضررة في صور بنمط عيش يدمج عضوياً بين السكن والعمل، حتى في الأحياء غير الرسمية؛ حيث تُخصّص الطوابق الأرضية لمحلات تجارية وكراجات وصناعات خفيفة، وهو ما يظهر بوضوح في أحياء الزراعة، المساكن الشعبية، البلعوطة، والمدينة الصناعية. وفي حالات كثيرة، يكون القاطن في المبنى هو نفسه المشغّل للنشاط التجاري فيه؛ مما يعني أن دمار المبنى يؤدي إلى فقدان "البيت والمصلحة" معاً، ويقوّض قدرة العائلات على التأقلم مع أعباء النزوح.

من ناحية أخرى، أدّت غارة في 2 آذار على مبنى القرض الحسن على المدخل الشمالي لمدينة صور إلى تدميره بالكامل إضافة إلى أضرار جسيمة في الأحياء السكنية المحيطة والمحال التجارية والسوبرماركت. وهو أيضاً يحتوي على مبنى إذاعة وموقع "صوت الفرح" في مدينة صور‎. وتشكّل هذه المباني والمحال جزءاً أساسياً من الشارع الرئيسي الذي يشكّل شرياناً تجارياً لمدينة صور ومحيطها.

واستهدفت غارات المنطقة الصناعية في صور في 12 آذار، ومزرعة في المساكن الشعبية في 19 آذار، كما تمّ تنفيذ غارتين على تخوم الآثار البحرية (جهة الجامعة الإسلامية) والبرية (حي الآثار، البصّ) منها.

وتمّ استهداف المستشفيات، بشكل كثيف هذه المرة، بحيث قصف محيط مستشفى جبل عامل 3 مرات (11-12 و17 آذار)، ومحيط المستشفى الإيطالي\نجم 3 ثلاث مرّات أيضاً (18 و19 آذار بغارتين).

وقد أثّرت الحرب عامّة بشكل كبير على الوضع الاقتصادي، وخاصة ضربات الجسور خلال التصعيد الحالي. بحيث أصبحت أسعار المواد الأساسية أغلى، إذ تمتنع بعض الشركات عن إيصال المواد، ممّا يدفع بالناس للذهاب إلى صيدا وشرائها، ثم بيعها في صور بأسعار أغلى. فقناني الغاز مثلاً، التي كان الناس يشترونها ب20$ قبل بداية الحرب، أصبحت تُباع ب27$ وما فوق. وهو ما يتمّ ملاحظته خاصة بعد كل ضربة على الجسور: تتضاعف أسعار المواد والسلع بشكل جدّي بعد كل ضربة على جسر.

حين يقع الدمار فوق أملاك الدولة

بمقارنة خريطة الدمار التي أنتجناها مع خريطة توزّع أملاك الدولة العقارية (الخصوصية) في مدينة صور، يتبيّن تدمير حوالي 15 مبنى بشكل كلّي عام 2024، و41 مبنى مدمّر بشكل جزئي تقع ضمن هذه الأملاك، وتحديداً على أراضي الدولة من النوع "الأميري"10 كما وجدنا 11 مبنى مدمّر على أملاك الدولة العقارية في تصعيد 2026، بين مخيم البرج الشمالي، المعشوق، البلعوطة، الزراعة، الشبريحا، والبص والرشيدية، دون أن نستطيع تحديد مستوى الدمار (كلّي أو جزئي) نتيجة استمرار الحرب. 

وهذا الرقم ليس مستغرباً بالنظر إلى طبيعة الملكية في صور؛ إذ تشكّل الأراضي الأميرية —وهي أراضٍ تعود ملكية رقبتها للدولة وللأفراد حق التصرف فيها— حوالي 62% من مساحة المدينة بحدودها العقارية، بينما تصل مساحة أراضي الدولة بكافة أنواعها إلى أكثر من 75% من إجمالي مساحة المدينة. 

وعليه، تقع أحياء سكنية بكاملها فوق هذه الأراضي، كحيّ "المساكن الشعبية" وحيّ "الزراعة"، بالإضافة إلى مخيمات وتجمعات اللاجئين الفلسطينيين (البص، الرشيدية، والمعشوق). وغالباً ما تُصنّف هذه المناطق كمناطق "غير رسمية" كونها شُيِّدت في الأساس دون الحصول على تراخيص قانونية، في ظل قيود صارمة كانت تفرضها السلطات تاريخياً على البناء فيها. واليوم، يثير واقع الملكية هذا إشكالية حقوقية كبرى تتعلق بمدى قدرة السكان على استعادة حيازاتهم؛ إذ يبرز التخوّف11 من عدم السماح لهم بإعادة بناء مساكنهم المدمّرة أو ترميمها. 

ويبرز التجمع السكني في "حي المنّاع" ضمن المساكن الشعبية كنموذج لهذا التحدي؛ حيث وثّق مسحنا الميداني فيه دماراً كلياً لستة مبانٍ وجزئياً لاثني عشر مبنى آخر، تقع جميعها ضمن عقار أميري واحد كبير وغير مفرز (العقار رقم 1656 - منطقة صور العقارية). وتُضاف إلى ذلك إشكالية غياب الخرائط والوثائق الرسمية التي تكرّس الحقوق المكانية في هذا الحي؛ فلا تتوفر مستندات مفصلة تبيّن الحصص والمساحات أو الارتفاعات أو عدد الطوابق لكل وحدة سكنية.

بناءاً على المقارنة بين التصعيدين، والحرب المستمرّة على صور ومحيطها المباشر، نستخلص ثلاثة دروس، نراها أساسية في دعم صمود الناس في رحلة نزوحهم أو عند عودتهم.

 يفرض الواقع علينا التفكير في أن البعد الاجتماعي في مرحلة التعافي ليس تفصيلاً ثانوياً، بل هو ركيزة أساسية للعودة. إذ يجب أن تكون إعادة الإعمار عملية تهدف إلى ترميم النسيج الاجتماعي وإعادة تثبيت السكان في سياقاتهم المحلية، لضمان ألا يتحوّل النزوح إلى تهجير دائم، ولاستعادة "الحق في المدينة" لتلك العائلات التي فقدت فضاءاتها الحيوية وروابطها اليومية.

 كما أن ما يجري يظهر ضرورةً اقتصادية اجتماعية، بحيث يكون دعم مشغّلي النشاطات الاقتصادية على تنوّعها في أماكن نزوحهم، وتأمين استمرارية مهنهم، جزءاً لا يتجزأ من مسار تأمين الحقوق الذي يجب أن يسبق ويواكب عملية العودة أو إعادة الإعمار. كما أن أي خطط مستقبلية لإعادة الإعمار والتعافي، يجب ألا تكتمل ببناء الوحدات السكنية فحسب، بل أن تضع في أولوياتها ضمان عودة شرايين المدينة الاقتصادية، وتجنّب أي تغيير جذري قد يؤدي إلى فقدان الأحياء لهويتها المعيشية والإنتاجية القائمة على دمج السكن والعمل، والتي لطالما ميّزت مدينة صور.

 وأخيراً، يجب على أي عملية لإعادة الإعمار والتعافي أن تلتفت بعمق إلى الخصائص المحلية وتعقيدات الملكية العقارية لكل منطقة. ففي صور، لا يمكن فصل الإعمار المادي عن معالجة قضايا قانونية حقوقية؛ إذ يقع على عاتق الدولة إعادة النظر بما طرحه القانون وابتكار حلول مرنة تعترف بالحقوق المكتسبة لسكان هذه الأحياء والمباني المتضررة، وتضمن توثيق حيازاتهم بشكل يحميهم من التهجير الدائم تحت ذريعة "عدم القانونية"، وتحمي في الوقت نفسه أملاكها من الاندثار.

 

تم انتاج هذا المقال كجزء من مشروع ورش عمل تشاركية نحو مسارات التعافي في صور وبيروت الجنوبية والذي كان سكان صور والجنوبيون الخضر شركاء في انتاج مخرّجاته. نُفّذ هذا المسار في سياق مشروع مشترك بالتعاون مع مبادرة سياسات الغدّ (TPI)، مختبر المدن في الجامعة الأميركية في بيروت، والمفكرة القانونية، وبدعم من المركز الدولي لبحوث التنمية (IDRC). 

This article was produced as part of the project "Participatory Workshops towards Recovery Pathways in Tyre and South Beirut" in which the residents of Tyre and the Green Southerners were partners in producing its outputs. This path was implemented within the framework of a joint project in collaboration with The Policy Initiative (TPI), Beirut Urban Lab at the American University of Beirut, and Legal Agenda, with support from the International Development Research Centre (IDRC)

 


1- من مقال علي سويدان في المفكرة القانونية تحت عنوان "أوامر التهجير الإسرائيلية من الضاحية: تشويه أدوات الحماية لارتكاب جرائم الحرب"

2- بحسب الرصد اليومي للاعتداءات الإسرائيلية الذي يقوم به استديو أشغال عامة. للاطلاع على خريطة الرصد: https://publicworksstudio.com/israeli-attacks-map

3- بموجب اتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب لعام 1949، والبروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 الملحق باتفاقيات جنيف (المادة 17).

4- التصعيد الأوّل من 23 أيلول 2024 حتى 27 من تشرين الثاني 2024 ، والتصعيد الثاني الذي بدأ في 2 آذار 2026 حتى 16 نيسان 2026

5- كشفت الوحدة الهندسية في اتحاد بلديات صور عن وجود حوالي 50 مبنى متضرر بشكل مباشر، و55 مبنى مدمر جزئياً، بالإضافة إلى 100 مبنى آيل للسقوط حتى تاريخ 27 تشرين الثاني 2024. وسعياً منا لتعميق فهم مشهد الدمار، قام استديو أشغال عامة في شباط 2025 بعملية توثيق ميداني بالتعاون مع "جمعية الجنوبيين الخضر". خلُصت عملية التوثيق إلى أن الـ 85 استهدافاً التي طالت مدينة صور خلال الفترة التي سبقت وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، أسفرت عن دمار جزئي لما لا يقلّ عن 166 مبنى، ودمار كلّي طال 79 مبنى. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام لا تشمل مئات المباني الأخرى التي طالتها أضرار متفاوتة أو تأثرت إنشائياً بفعل الصدمات العنيفة.

6- بجسب بحث ميداني أجراه استديو أشغال عامة

7- من 2 آذار 2026 حتى 16 نيسان 2026

8- اعتماداً على مقابلات مع عدد من سكّان عين بعال وصور اللواتي والذين تركوها في الأسبوع الثاني لحرب 2026.

9- اعتماداً على مقابلات مع عدد من سكّان عين بعال وصور اللواتي والذين تركوها في الأسبوع الثاني لحرب 2026، فإن العديد من السكان يفضّلون البقاء في بيوتهم وقراهم، أو حتى في مناطق مجاورة لقراهم، إلى حين يأتي التهديد بالقصف، خاصة وأن الوضع المادي للعديد من العائلات لا يسمح لها بالنزوح إلى بيروت. بالإضافة إلى أن العديد من العائلات ذهبت إلى بيروت ولم تجد مكاناً لها في مراكز الإيواء، ممّا دفعها إلى العودة إلى قراها.

10- لتفاصيل أكثر حول الأراضي الأميرية، الاطلاع على مقال استديو أشغال عامة حول أملاك الدولة العقارية: "ويني (أراضي) الدولة؟" https://publicworksstudio.com/where-are-the-state-lands

11- هذا التخوّف مشروع بالفعل؛ إذ إن التشريع الوحيد القائم حالياً لمعالجة أوضاع الوحدات العقارية المهدّمة، أي القانون رقم 22/2025، يشترط في مادته الثانية عشرة لإعادة تشييد المباني المتهدمة المشيّدة على الأملاك الخصوصية للدولة (ومنها الأراضي الأميرية) ثلاثة قيود: (1) موافقة السلطة على بيع الملك الخصوصي؛ (2) دفع صاحب البناء ثمن الأرض؛ (3) إجراء تسوية لوضع البناء المخالف. وفي حال العجز عن استيفاء هذه الشروط، يُستبدل الحق في إعادة البناء بـ "مساعدة مالية".

 

Related Output

view all

More periodicals

view all
Search
Back to top