The Policy Initiative

  • eng
    • share
  • subscribe to our mailing list
    By subscribing to our mailing list you will be kept in the know of all our projects, activities and resources
    Thank you for subscribing to our mailing list.
07.14.22

شراء السردية العامة: كيف استغلت المصارف اللبنانية الإعلام للتأثير على الرأي العام

سامي زغيب,
وسيم مكتبي,
سامي عطا الله

لعب بناء "الثقة" في النظام المالي اللبناني الهشّ دورًا محوريًا في المحافظة على التدفقات المالية الواردة، في حين كان القطاع المصرفي يدفع بنفسه نحو الإعسار بغية تحقيق أرباح سريعة. ففي الواقع، أنفق مبالغ طائلة على الإعلانات على الوسائل الإعلامية لنشر سردية قائمة على الاستقرار والازدهار، حتى حين بات اقتصاد البلاد في حالة ركود. وكان لهذا الإنفاق تأثيرٌ كبير على الرأي العام قبل الأزمة وخلالها. كما لعب دورًا جوهريًا في إطالة أمد النموذج المالي السابق، ما زاد من حجم الخسائره التي تكبّدها. إلى ذلك، سهّل الإنفاق على الإعلانات تعميم خطاب غير معادٍ للمصارف خلال الأزمة، حتى خلال الفترات التي توقف فيها فعليًا تقديم الخدمات المالية.

وفي حين أنّ الإعلانات التلفزيونية تعتبر شائعة، كيف استخدمت المصارف التجارية اللبنانية أداة التسويق هذه التي تبدو اعتيادية؟ يقدّم هذا المقال إجابة عن هذا السؤال من خلال بيانات جديدة عن قيمة المساحات الإعلانية التي اشترتها المصارف كل سنة.

إذا ألقينا نظرة سطحية على إعلانات المصارف هذه، لا نلحظ أي أمر غير اعتيادي. فبين عاميّ 2012 و2021، اشترى القطاع المصرفي مساحة للإعلانات التلفزيونية بقيمة تقارب الـ1.17 مليار دولار، 80% منها قبل نشوء الأزمة سنة 2019. استثمرت النسبة الأكبر من تلك الإعلانات (97% منها) في القنوات التلفزيونية الستّة الأكثر مشاهدةً في لبنان: تلفزيون المرّ (أم تي في)، المؤسسة اللبنانية للإرسال انترناسيونال (إل بي سي آي)، قناة الجديد، الشبكة الوطنية للإرسال (إن بي إن)، تلفزيون المستقبل، وقناة أورانج (أو تي في).1

إلا أن التقلبات في حجم الإنفاق على الإعلانات مع مرور الوقت تروي قصة مختلفة. قبل الأزمة، رفعت المصارف من حجم إنفاقها على الإعلانات لجذب الودائع إلى محافظها العالية المخاطر وتحقيق أرباح قياسية. ومنذ سنة 2019، اعتمدت المصارف مستوى أدنى نسبيًا من الإنفاق على الإعلانات في ظل غياب الخدمات المصرفية، بهدف التأثير على السردية المتعلقة بأسباب الأزمة المالية والجهة التي تتحمل مسؤوليتها.

المقايضة الكبرى: الثقة الحكومية مقابل الأرباح الخاصة (2012 – 2018)

مع تزايد هجرة رؤوس الأموال والركود الاقتصادي في العقد الثاني من الألفية الثالثة، باتت قدرة البنك المركزي على المحافظة على استقرار العملة الوطنية مهددة. لمعالجة هذه المشكلة، قدّم معدلات فائدة هائلة على شراء أدوات مالية عالية الخطورة - استثمرت فيها المصارف التجارية بشدة - بغرض جذب رؤوس الأموال الأجنبية. وهذا ما زاد نسبة تعرض القطاع المصرفي لخطر الديون السيادية ثلاثة أضعاف بين عاميّ 2011 و2019، لا سيما على شكل ودائع لدى البنك المركزي.2

وللمحافظة على استمرارية هذا الرهان المالي الخطر والاستفادة منه من خلال تحقيق أرباح كبيرة، كان لا بد من توفر نسبة عالية من الثقة في القطاع المصرفي. ولذلك، أنفقت المصارف اللبنانية إنفاقًا مفرطًا على الإعلانات ورفعت عدد عمليات شرائها للمساحات الإعلانية بشكلٍ ملحوظ. 57% من عمليات الشراء هذه - أي نحو 530 مليون دولار من أصل 931 مليون دولار من قيمة الإنفاق الإعلاني قبل الأزمة - تم خلال فترة عمليات الهندسة المالية السيئة الذكر التي قام بها مصرف لبنان (الرسم رقم 1). وفي الحقيقة، بعد أن استقرّت قيمة إعلانات المصارف المشتراة إلى ما معدله 100 مليون دولار في السنة بين 2012 و2015، ارتفعت مرة أخرى بشكلٍ ملحوظ (بنسبة 75%) وبلغت ما متوسطه 175 مليون دولار بين 2016 و2018: 141 مليون دولار سنة 2016، و170 مليون دولار سنة 2017، و215 مليون دولار سنة 2018. وبهذه الطريقة، امتلك القطاع المصرفي بين 12 و15 في المئة من إجمالي المساحات الإعلانية على الوسائل الإعلامية في البلاد خلال تلك الفترة، مستحوذًا على اهتمام أعداد كبيرة من مشاهدي القنوات اللبنانية.3

الرسم رقم 1: قيمة الإعلانات التلفزيونية التي اشترتها المصارف بين عاميّ 2012 و2021

 

المصدر: احتساب المؤلفين استنادًا إلى بيانات من شركة إيبسوس

يبدو أن حملة الإنفاق الإعلامية هذه حققت الأهداف المنشودة بالنسبة للمصارف، فحصدت عائدات هائلة على استثماراتها، في حين تعرض المودعون للخداع. ارتفع حجم الودائع في المصارف التجارية من 155 مليار دولار في كانون الثاني 2016 إلى ما يقارب الـ179 مليار دولار بحلول نهاية 2018، وحقق القطاع أرباحًا صافية قياسية في كلٍّ من تلك السنوات، إذ وصل إجمالي الأرباح خلال تلك السنوات فقط إلى 5.9 مليار دولار.

ومن بين المصارف الـ33 التي قامت بالشراء، وصلت نسبة إنفاق المصارف الـ14 الأهم والأكبر في البلاد إلى 99% من إجمالي القيمة المدفوعة على الإعلانات. ومن بين تلك المصارف الأهم، تصدر قائمة أكبر المنفقين كل من بنك ميد وبنك بي إل إف وبنك لبنان والمهجر، الذين أنفقوا مجتمعين ما يقارب الـ500 مليون دولار على الإعلانات. أما من حيث القنوات الإعلامية، فتصدرت قناة أم تي في قائمة القنوات البائعة خلال تلك الفترة، يليها تلفزيون المستقبل والمؤسسة اللبنانية للإرسال، وقد حصدت مجتمعةً ما يقارب الـ550 مليون دولار. أما قناة أو تي في، فسجّلت أدنى مبيعات من بين القنوات الستّة ناهزت الـ100 مليون دولار.

شراء سردية الحصانة (من 2019 إلى الآن)

على الرغم من كونها أساس الأزمة المالية وعلى الرغم من توقفها شبه الكامل عن تقديم الخدمات المالية، استمر عدد كبير من المصارف التجارية في شراء الإعلانات منذ سنة 2019 (الرسم رقم 2)، ولو بنسب أقلّ. ومع أنّ هذا السلوك غير مبرر من الناحية التجارية، إلا أنّ التفسير المعقول الوحيد له هو أنّ الهدف من هذه الإعلانات هو شراء "خطاب غير معادٍ للمصارف" على القنوات التلفزيونية ونشر سردية تبعد مسؤولية التسبب بالأزمة المالية عن كاهل القطاع المصرفي.

الرسم رقم 2: عدد المصارف المشترية وقيمة الإعلانات منذ بداية الأزمة

المصدر: احتساب المؤلفين استنادًا إلى بيانات من شركة إيبسوس

استنادًا إلى البيانات المتاحة، يبدو أن تعرضّ المصارف لخطر الديون السيادية - أي حصتها من الإيداعات المستثمرة في سندات خزينة الدولة وفي شهادات الإيداع في البنك المركزي - عاملٌ فاصل في استمرارية إنفاق المصارف على الإعلانات. علاقة الترابط الإيجابي واضحة بين درجة تعرض المصارف للديون السيادية وحجم أسهمها وبين النسبة العالية لإعلاناتها التلفزيونية. خلال فترة الأزمة، وبشكل عام، استثمرت المصارف التي تعتبر درجة تعرضها للديون عالية بشكلٍ أكبر في الإعلانات التلفزيونية. وفي الواقع، 11 من أصل 23 بنكًا مشتريًا منذ 2019 سجّل نسبة ديون مقابل قيمة أسهمها أعلى من 200% واشترى 76% من مساحات الإعلانات خلال هذه الفترة.5 فاشترى المصرفين الأكثر عرضة للديون أكثر من ثلث تلك الإعلانات (35%).

بعد ثلاث سنوات من الأزمة، لم تتوقف تلك الممارسات ولم تنخفض وتيرتها، لا بل صارت أوضح. والسردية القائمة على بعض المعالجات المحتملة للأزمة المالية في مختلف القنوات التلفزيونية الكبيرة تتطابق إلى حدٍ كبير مع سردية جمعية المصارف. ويشكّل تزايد الاهتمام السياسي والإعلامي بمسألة مقترح الصندوق السيادي، لا سيما بعد رفض جمعية المصارف لخطة التعافي الحكومية الأخيرة،6 مثالاً واضحًا على ذلك.

تقضي هذه السردية الخطيرة ومثيلاتها 7 ضمنيًا على أي خطاب تقدمي يقوم على مبدأ المحاسبة والتوزيع العادل للخسائر. وفي عالم تؤثر فيه القنوات الإخبارية على أهمية وأولوية المشاكل والقضايا على جدول الأعمال السياسي،8 نجحت المصارف التجارية في لبنان، من خلال الإنفاق على الإعلانات، في تقويض الخطاب الذي قد يهدد مصالحها ولا تظهر أي نية في التوقف عن ذلك

 


مؤسسة سمير قصير. 2018. "مرصد ملكية وسائل الإعلام".1

عمليات حسابية قائمة على البيانات المستخرجة من brite.blominvest2 

بحسب مرصد ملكية وسائل الإعلام في مؤسسة سمير قصير سنة 2018، 96% من اللبنانيين يستخدمون التلفزيون للحصول على الأخبار والمعلومات، و79% منهم يشاهد التلفزيون يوميًا.3

استنادًا إلى تحليل التباين الأحادي، R-squared ≈ 0.4.4

بيانات انكشاف المصارف أمام الديون مستخرجة من عطالله، و. وم. فاعور. آذار 2020. "تشبثوا: قياس نبض قطاعنا المصرفي الهائل." فاينانس 4 ليبانون.5

لوريان توداي. أيار 2022. "جمعية المصارف ترفض الخطة التي أقرتها الحكومة."6

جمعية المصارف في لبنان. أيّار 2020. "مساهمة الحكومة اللبنانية في خطة التعافي المالي."7

ماكومبز، م. 2011. "دور الإعلام الشامل الذي يرتب الأولويات في تحديد ملامح الرأي العام." جامعة تكساس.8

From the same author

view all

More periodicals

view all
Search
Back to top