The Policy Initiative

  • eng
    • share
  • subscribe to our mailing list
    By subscribing to our mailing list you will be kept in the know of all our projects, activities and resources
    Thank you for subscribing to our mailing list.
09.15.23

مشروع موازنة لبنان لعام 2023: إنفاق بلا غاية

وسيم مكتبي,
سامي زغيب,
سامي عطا الله

تعتبر الموازنة من أهم الوثائق الرسمية في مجال السياسة العامة، حيث أنها تؤدي دوراً محورياً في إدارة المالية العامة بما أنها تترجم الأهداف الوطنية للدولة إلى خطط إنفاق سنوية. في الواقع، لا يمكن بناء أي اقتصاد من دون اعتماد نهج متسق لتخصيص الموارد، حيث أنه شرط أساسي لذلك. كما أن الإنفاق العام هو من أهم أدوات الحوكمة التي تستخدمها الدول في تشكيل الأسواق وتقديم الخدمات العامة.2 وسواء أكان في سياق تمويل الأشغال العامة أو برامج الحماية الاجتماعية، فهو يشكل نواة السياسة الضريبية التي ترسم معالم العقد الاجتماعي بين الدولة والنخب السياسية التي تتحكم بها والمواطنين.

في لبنان، فقدت الموازنة العامة الوظيفة التي يفترض أن تؤديها منذ زمن بعيد. فمن حيث إعدادها، فشلت الطبقة السياسية الحاكمة في إقرار مشاريع قوانين الموازنة على مدى 12 عاماً على التوالي. وحتى في الحالات التي أقر فيها قانون الموازنة، غالباً ما كان ذلك بعد انقضاء المهلة التي ينص عليها الدستور. ومن حيث الجوهر، كانت قوانين الموازنة أشبه بوثائق محاسبية تخلو من أي أهداف على صعيد الاقتصاد الكلي والسياسات. وها هو مشروع الموازنة اللبنانية لعام 2023 ينضم إلى الركب.

أقر مجلس الوزراء مشروع موازنة العام 2023 ويعتزم إحالته إلى مجلس النواب. وهنا، لا بد من تسليط الضوء على واقع مهم ومقلق: مراجعة بسيطة لتفاصيل الإنفاق كافية للكشف عن افتقار مشروع الموازنة إلى أسس متينة من حيث الحجم والتوجه والارتباط بإطار تعافٍ متوسط المدى، بل في الواقع، تعتريه شوائب كثيرة. ففضلاً عن إقراره بعد انقضاء 8 أشهر على المهلة الدستورية وخلوّه من افتراضات الاقتصاد الكلي التي يتم على أساسها احتساب الأرقام الواردة فيه، لا يعدو كونه مجرد جدول لرواتب القطاع العام. لكن، حتى جدول الرواتب هذا ناقص، حيث أن قيمته الحقيقية تمثل جزءاً بسيطاً من مستويات ما قبل الأزمة، ويميز بين فئات موظفي الخدمة المدنية. في ما يلي 6 مخاوف تطرح علامات استفهام بشأن مشروع الموازنة الحالي:

غاب عن مُعدّي مشروع الموازنة اللبنانية لعام 2023 الهدف الفعلي من إعدادها

يُفترض إعداد الموازنات الوطنية قبل السنة المالية وليس في خلالها. كما ينبغي إرفاق وثائق تكميلية بالموازنة - على سبيل المثال «الفزلكة» - لتوفير المبررات المنطقية التي تستند إليها الإيرادات والنفقات المتوقعة. إلا أن مُعدّي مشروع الموازنة اللبنانية لعام 2023 لم يتقيدوا بهذين الشرطين الأساسيين. فأعدت وزارة المالية مشروع الموازنة الأولي لعام 2023، بالتعاون مع الوزارات الأخرى، وأحالته إلى الحكومة من دون الفزلكة اللازمة بتاريخ 17 تموز 2023، أي بعد مرور حوالي 11 شهراً على انتهاء المهلة الدستورية3. والنتيجة تقويض مصداقية موازنة العام 2023، حيث لم يتبق سوى 4 أشهر من السنة المالية، وذلك بسبب التجاهل السياسي المستمر للشؤون المالية ومحدودية قدرات الإدارات العامة.

مشروع الموازنة لعام 2023 بالغ الصغر ويتقلص بسرعة أكبر من الاقتصاد

بلغ إجمالي النفقات العامة المتوقعة لعام 2023 199.3 تريليون ليرة لبنانية، أي ما يعادل 2.36 مليار دولار أمريكي  بناءً على سعر الصرف المعمول به بين كانون الثاني وحزيران 2023. حتى عام 2020، كانت نسبة الإنفاق العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في لبنان متوافقة مع النسب المحققة في البلدان التي تتسم بمستويات مماثلة من حيث التنمية الاقتصادية (الرسم البياني 1)4. أما في 2023، فمن المتوقع أن تصل هذه النسبة إلى 15% من الناتج المحلي الإجمالي، بزيادة إلى أكثر من الضعف مقارنةً بعام 2022 (6%)، لكنها تبقى أدنى بكثير من النسب المسجلة قبل الأزمة (31%). هذا يدل على أن الإنفاق العام قد تقلص بمعدل أعلى من معدل الانكماش الاقتصادي. في الواقع، تشير الأرقام الحقيقية إلى تراجع الإنفاق العام بنسبة 83%، فيما تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 69% بين عامَي 2019 و20235

 


الرسم البياني 1: نسبة نفقات الموازنة إلى الناتج المحلي الإجمالي، 2017-2023
المصدر: تقرير الراصد المالي لصندوق النقد الدولي، لا تتوفر بيانات لعامَي 2022 و2023؛ مجموعات الدخل بحسب تصنيف البنك الدولي؛ تستند بيانات لبنان لعامَي 2022 و2023 إلى حسابات المؤلفين.
المصدر: تقرير الراصد المالي لصندوق النقد الدولي، لا تتوفر بيانات لعامَي 2022 و2023؛ مجموعات الدخل بحسب تصنيف البنك الدولي؛ تستند بيانات لبنان لعامَي 2022 و2023 إلى حسابات المؤلفين.

مشروع الموازنة لعام 2023 يقلص اعتمادات الوزارات الخدماتية أكثر من الوزارات الأخرى

إن النهج المعتمد في تبرير الموارد المالية المرصودة في مشروع الموازنة يسطّر الوزارات التي تعتبرها الدولة حيوية، حيث أن 70% من المبالغ المخصصة للوزارات موزعة على خمس وزارات سيادية (وزارة المالية، ووزارة الداخلية والبلديات، ووزارة الدفاع، ووزارة الخارجية، ووزارة العدل)، مقابل 44% عام 20196(الرسم البياني 2). وخلافاً للاتجاهات التي سادت في السابق، خُصص لوزارة المالية الحصة الأكبر من الاعتمادات المرصودة للوزارات التنفيذية والتي بلغت 39%، ما جعلها في المرتبة الأولى مقارنةً بـ6% عام 2019 حيث جاءت في المرتبة السابعة.7 وأتت هذه الزيادة على حساب الاعتمادات المرصودة للوزارات الخدماتية (وزارة التربية والتعليم العالي، ووزارة الصحة، ووزارة الشؤون الاجتماعية) ووزارة البنية التحتية، إذ تراجعت حصص كلٍ من هذه الوزارات بمقدار 13 نقطة مئوية، مقارنةً بمستويات ما قبل الأزمة. وعلى وجه التحديد، كانت وزارة التربية والتعليم العالي تحصل على اعتمادات بنسبة 21% من الموازنة قبل الأزمة، وقد تراجعت حصتها إلى 7% عام 2023. وكذلك الأمر بالنسبة إلى وزارتَي الصحة العامة والشؤون الاجتماعية، حيث كانت تُخصص لكلٍ منهما اعتمادات بنسبة 7% و3% على التوالي قبل الأزمة، وقد تراجعت إلى 6% و1% في موازنة عام 2023. بالقيمة الفعلية، تقلص حجم اعتمادات وزارة الشؤون الاجتماعية بنسبة 94% ووزارة التربية والتعليم العالي بنسبة 91% ووزارة الصحة العامة بنسبة 80%.8

في الواقع، شهدت كافة الوزارات انكماشاً حاداً من حيث القيمة الفعلية لاعتماداتها بين عامَي 2019 و2023، باستثناء وزارتَين وزارة المالية (+60%)  ووزارة الاقتصاد والتجارة (+10%).

قد يتراءى لنا أن مشروع موازنة عام 2023 أعلى مقارنةً بعام 2022، في حين أن القيمة الفعلية للموازنة قد شهدت تقلصاً حاداً. وتتجلى خطورة الانهيار بصورة أوضح في النفقات العامة لوزارات البنية التحتية والخدمات، ما يظهر أن تقديم الخدمات العامة ما زال مقوّضاً.9

 

الرسم البياني 2: حصص الوزارات من الموازنة، بحسب نوع الوزارة
المصدر: قوانين الموازنة
المصدر: قوانين الموازنة

الإنفاق العام لعام 2023 يتمحور بمعظمه حول تكاليف العاملين في القطاع العام، لكنه لا يزال غير كافٍ

بناءً على مشروع الموازنة الأولي لعام 2023، تبلغ تكاليف الموظفين 119 تريليون ليرة لبنانية (أي حوالي 60% من إجمالي النفقات). ويُتوقع وصول النفقات المرتبطة بالرواتب والأجور والمنافع الاجتماعية الأخرى التي يتلقاها القطاع العام إلى 66% من إجمالي الإنفاق، عملاً بالقانونين 311 و312 اللذين فتحا خطوطاً ائتمانية استثنائية بقيمة 37.7 تريليونات ليرة لتغطية التكاليف المتعلقة بالموظفين، ما يمثل الحصة الأكبر لتكاليف الموظفين في تاريخ الموازنات منذ فترة ما بعد الحرب (الرسم البياني 3). ومع ذلك، لا تزال تكاليف الموظفين لعام 2023 تشكل أقل من ثلث القيمة التي كانت عليها عام 2019، على الرغم من الخطوط الائتمانية الاستثنائية (الرسم البياني 4).

الرسم البياني 3: الحصة من نفقات الموازنة، بحسب التصنيف الاقتصادي للنفقات
ملاحظة: تراعي الأرقام الواردة مخصصات الموازنة لعامَي 2022 و2023 فقط؛ لا تشمل وثائق موازنة عامَي 2022 و2023 التحويلات إلى مؤسسة كهرباء لبنان المصدر: قوانين الموازنة؛ تقرير المالية العامة لعام 2021؛ مقترح الموازنة لعام 2023
ملاحظة: تراعي الأرقام الواردة مخصصات الموازنة لعامَي 2022 و2023 فقط؛ لا تشمل وثائق موازنة عامَي 2022 و2023 التحويلات إلى مؤسسة كهرباء لبنان المصدر: قوانين الموازنة؛ تقرير المالية العامة لعام 2021؛ مقترح الموازنة لعام 2023


الرسم البياني 4: تكاليف الموظفين مقارنةً بحجم الموازنة (مليون دولار أمريكي)
ملاحظة: تراعي الأرقام الواردة مخصصات موازنة عامَي 2022 و2023 فقط المصدر: قوانين الموازنة؛ تقرير المالية العامة لعام 2021؛ مقترح الموازنة لعام 2023
ملاحظة: تراعي الأرقام الواردة مخصصات موازنة عامَي 2022 و2023 فقط المصدر: قوانين الموازنة؛ تقرير المالية العامة لعام 2021؛ مقترح الموازنة لعام 2023

زيادات الرواتب والأجور غير متكافئة بين فئات موظفي القطاع العام

بشكل عام، شهد بند الموازنة المخصص لموظفي القطاع العام المؤقتين انتعاشاً، فارتفع بنسبة 38% مقارنةً بعام 2019، فيما لا تزال الاعتمادات المخصصة للموظفين بدوام كامل أقل من 10% من القيمة التي كانت عليها قبل الأزمة (الجدول 1). وقد ارتفعت مخصصات رواتب الموظفين المؤقتين من الموازنة الإجمالية السنوية من 1% عام 2019 إلى 14% عام 2023.

كما شهدت وزارة الخارجية نسبة التفاوت الأعلى في الرواتب بين إداراتها المختلفة، حيث تُدفع رواتب بعض الموظفين بالعملة الأجنبية (السلك الدبلوماسي)، فيما يتقاضى آخرون رواتبهم بالعملة المحلية (الإدارة المركزية). ومن المتوقع أن يتخطى بند رواتب العاملين في السلك الدبلوماسي مخصصات رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإدارة المركزية لدى الوزارة بأكثر من 400 ضعف.

على مستوى الوزارات، شهدت الوزارات الخدماتية الرئيسية، مثل وزارة التربية والتعليم العالي ووزارة الصحة العامة ووزارة الشؤون الاجتماعية، انخفاضاً حاداً من حيث القيمة الفعلية لتكاليف موظفيها. فمقارنةً بعام 2019، انخفضت اعتمادات وزارة التربية والتعليم العالي من مليار دولار أمريكي إلى 86 مليون دولار، واعتمادات وزارة الصحة العامة من 21 مليون إلى 1.75 مليون دولار أمريكي، واعتمادات وزارة الشؤون الاجتماعية من 3.9 إلى 0.4 مليون دولار أمريكي. وعليه، انخفضت قيمة البنود المخصصة لتكاليف الموظفين في هذه الوزارات مجتمعةً بمعدل 97% مقارنةً بعام 2019، وهي نسبة أعلى بكثير من الانخفاض الإجمالي لتكاليف الموظفين (71%) على مستوى المؤسسات.

المصدر: مقترحات الموازنة
المصدر: مقترحات الموازنة

الإنفاق العشوائي يرتفع، وكذلك احتياطي الموازنة

بموجب المادة 26 من قانون المحاسبة العمومية، تُرصَد في باب احتياطي الموازنة الاعتمادات الاحتياطية للنفقات المشتركة بين عدة وزارات والاعتمادات الاحتياطية للنفقات الطارئة. يقتضي هذا الشكل من الإنفاق العام مرسوماً يوقع عليه رئيس الوزراء ووزير المالية، ما يترك مجالاً لحرية التقدير السياسي.

عندما تكون النفقات محددة بشكل صحيح في الموازنة، يفترض أن يكون احتياطي الموازنة بالحد الأدنى. إلا أن ذلك لا ينطبق على موازنة عام 2023، حيث أن الاحتياطي يشكل ثاني أعلى نسبة من الاعتمادات على مستوى المؤسسات (ٌ$338 ملون)، فيما كان يشكل ثامن أعلى نسبة عام 2019  ($350 مليون) (الرسم البياني 5). ولا شك في أن المبالغ الاحتياطية المخصصة للنفقات الطارئة هي من الموارد الهامة في ظل استمرار تقلب مشهد الاقتصاد الكلي في لبنان، إلا أن الارتفاع الحاد في النسبة المخصصة لها يظهر ضعفاً في تخطيط الموازنة، إما من حيث عدم الإبلاغ عن كافة بنود النفقات أو المبالغة في تقدير الإيرادات، لا سيما وأن أكثر من نصف العام قد انقضى.
الرسم البياني 5: احتياطي الموازنة كنسبة من إجمالي الموازنة
المصدر: قوانين الموازنة ومقترح الموازنة لعام 2023
المصدر: قوانين الموازنة ومقترح الموازنة لعام 2023

سيئات مشروع الموازنة اللبنانية لعام 2023 تفوق حسناته

ها هو لبنان يرزح حتى الآن تحت وطأة الأزمة التي نشأت منذ أربع سنوات مضت. وعلى الرغم من ذلك، رفضت النخب السياسية اعتماد أي شكل من أشكال الإصلاح، وفشلت أيضاً في تخصيص موارد الدولة المتضائلة كما يجب. كما اعتمدت نهجاً عشوائياً مرتجلاً لإعداد موازنة عام 2023، بعيداً عن أي إطار متوسط الأجل للمالية العامة. فقلّصت تمويل الخدمات الاجتماعية من دون أي اعتبار للأثر الذي سيتركه هذا الإجراء على المواطنين. كذلك، يبدو أن النخب السياسية تستمتع بتجريد الدولة من وظائفها اقتصادياً واجتماعياً، بدل أن تبادر إلى إجراء إصلاحات على مستوى المؤسسات للاستفادة من الموارد الشحيحة المتبقية في ظل الأزمة.

1 هذا المقال مستند إلى تقرير قادم وتم إنتاجه كجزء من تعاون مبادرة سياسات الغد مع اليونيسيف في إطار مشروع مشترك بعنوان "تحليل ومناصرة للسياسات الضرورية والإصلاحات"، بهدف تعزيز البحث المستقل والدعوة إلى تغيير السياسة العامة. يجدر بالذكر أن اليونيسيف لا تقر بالآراء/التحليلات/الآراء التي يعبر عنها الكتّاب 

2
ل. ستشوكنيتشت، 2020. «الإنفاق العام ودور الدولة: التاريخ والأداء والمخاطر والحلول.» مطبعة جامعة كامبريدج

3 معهد باسل فليحان الاقتصادي والمالي. موازنة المواطِنة والمواطن - تقويم الموازنة

4 صندوق النقد الدولي. 2021. أداة مخطط البيانات؛ تجدر الإشارة إلى أن البيانات تقتصر على الإنفاق من الموازنة

5 بناءً على تقديرات صندوق النقد الدولي للناتج المحلي الإجمالي لعام 2023

6 تستند الحسابات إلى متوسط سعر الصرف بحسب موقع lirarate.org الذي تراوح بين 1,787 ليرة لبنانية مقابل الدولار عام 2019 و84,495 ليرة لبنانية مقابل الدولار بين كانون الثاني وحزيران 2023

7 وترجع الزيادة الكبيرة في موازنة وزارة المالية إلى حد كبير إلى التحويلات الاجتماعية لموظفي القطاع العام والمتقاعدين.

8  البنك الدولي. 2022. «تقرير مراجعة المالية العامة للبنان: مخطط تمويل بونزي؟« مجموعة البنك الدولي

9 يقسم التصنيف الاقتصادي نفقات الموازنة إلى فئات بناءً على طبيعتها الاقتصادية والغرض منها، مثل الرواتب، أو السلع والخدمات، أو الحوالات، أو مدفوعات الفائدة، أو الإنفاق الرأسمالي

 

From the same author

view all

More periodicals

view all
Search
Back to top