The Policy Initiative

  • eng
    • share
  • subscribe to our mailing list
    By subscribing to our mailing list you will be kept in the know of all our projects, activities and resources
    Thank you for subscribing to our mailing list.
10.25.22

كيف تستغل النخب السياسية الدولة للفوز في الانتخابات

وسيم مكتبي

إعادة انتخاب الأحزاب اللبنانية التقليدية عام 2022 لم يكن أمرًا مشكوك به. فبالرغم من الأزمة المالية العميقة وظهور موجة من الحراكات السياسية، كانت هزيمة السلطة في السباق الانتخابي رهانًا خاسرًا. ففي واقع الأمر، تتمتع هذه الأحزاب بمزايا عديدة مقارنةً بالأحزاب الناشئة. فهي أكبر حجمًا وأكثر ثراء وخبرة، إلا أن ما يزيد من هيمنة هذه الأحزاب هو سيطرتها المتمادية على مفاصل الدولة السياسية والاقتصادية.

سمحت هذه القبضة الممسكة بزمام السلطة للنخب السياسية في لبنان بإملاء السياسات لعقود من الزمن. ويُعدّ قانون الانتخاب الصادر عام 2017 مثالًا واضحًا عن سبب اهتمام النخب السياسية بالحفاظ على صلاحياتها في صنع السياسات، حيث مالت فيه قواعد اللعبة لصالح الأحزاب التقليدية القائمة. فصحيحٌ أن القانون أكثر شمولًا من سابقه، إلا أنه صُمّم من قبل النخب ليلائم خصوصيات أحزاب السلطة الحاكمة في مختلف الدوائر الانتخابية1.

تترتّب على سيطرة النخب السياسية المتمادية على مؤسسات الدولة السياسية والاقتصادية الرئيسية آثار كبيرة خلال فترة الانتخابات. وفي حين اعتادت الأحزاب الحريصة على إعادة انتخابها أن توجّه اهتمامها نحو السياسات والقضايا التي تعود عليها بالمكاسب الانتخابية2، إلا أنّ حجم وتداعيات هذا التوجه كان لافتًا ضمن أزمة لبنان.

فبين 19 تشرين الأول 2021– تاريخ توافق السياسيين على إجراء الانتخابات3- ويوم الانتخابات، عزّزت النخب السياسية في لبنان من فرص إعادة انتخابها عبر تعديل أداء مجلس النواب والحكومة والمصرف المركزي. فمقارنة بالعام السابق، زادت الحكومة من إصدار التشريعات الخاصة ذات الطابع الخدماتي، وقدم مجلس النواب مساعدات كبيرة للقطاعين العام والخاص، واستثمر المصرف المركزي بكثافة احتياطيات العملة الأجنبية لتحقيق استقرار مصطنع للعملة الوطنية.

علامَ انصبّ اهتمام الوزراء؟

انحصر الأداء التشريعي للحكومة بالأمور الادارية عمومًا، الّا أن شهدت فترة الانتخابات زيادةً بنحو 20% في اهتمام الوزراء بالتشريعات الخاصة ذات الطابع الزبائني. وشمل ذلك التشريعات الموجّهة نحو تسهيل عمل مجموعات معيّنة من الأشخاص والشركات، كمنح التراخيص، والموافقة على طلبات الجنسية، وإنشاء الجمعيات. وجاء منح التراخيص تحديدًا ليحرّك الاهتمام بإصدار التشريعات، مسجلًا زيادةً ناهزت الضعف مقارنةً بالفترة السابقة، تلاه إنشاء الجمعيات التي زادت بنسبة 10%، في حين شهدت الموافقة على طلبات الجنسية تراجعًا ملحوظًا بنسبة 65%.

كما شهدت فترة الانتخابات قيام السلطة التنفيذية بتقديم مساعدات اجتماعية كبيرة للعاملين في القطاع العام، حيث منحت الحكومة في شباط 2022 عمّال القطاع العام زيادة شهرية بنسبة 50% على رواتبهم حتى صدور قانون موازنة 2022.

علامَ صبّ النواب اهتمامهم؟

في حين ازدادت الإنتاجية التشريعية لمجلس النواب ثلاثة أضعاف مقارنة ، إلا أنها لم تُترجم إلى إصلاحات اقتصادية أو قضائية أو اجتماعية رغم حاجة البلاد الماسة إليها. كانت وظيفة مجلس النواب في تلك الفترة استرضاء الناخبين في القطاعين العام والخاص.

فعلى مستوى القطاع العام ، أقرّ مجلس النواب سلفةً بقيمة 1,2 تريليون ليرة لبنانية، خُصِّص معظمها لتقديم المساعدات للعمال، وأصدر المجلس أيضًا ثلاثة قوانين هدفها تسوية أوضاع وترقية عاملين في أمن الدولة وقوى الأمن الداخلي.

على مستوى المجتمع، صدّق مجلس النواب في شهر كانون الأول 2021 على النسخة النهائية لقانون الحماية الاجتماعية الذي طال انتظاره، وهو برنامج يموّله البنك الدولي كان من المقرّر إطلاقه قبل عامين تقريبًا، لكنه تعثّر في أعقاب محاولات فاشلة من قبل النخب السياسية الحاكمة لتضليله4.

ماذا فعل المصرف المركزي؟

تدخل المصرف المركزي بقوة في سوق العملات، مستندًا إلى إجماع سياسي، لتحقيق استقرار زائف في الليرة اللبنانية. علاوة على ذلك، طلب مصرف لبنان من المصارف التجارية إجراء عمليات صرف العملة بدون سقف.

استنزفت هذه المناورات ما يقرب من ملياري دولار من الاحتياطيات الأجنبية من أجل رفع قيمة الليرة اللبنانية مؤقتًا من 31500 ليرة للدولار الواحد في 10 كانون الثاني 2022 إلى حوالي 27000 ليرة خلال أسبوع الانتخابات. وتشير التقديرات إلى أن المصرف المركزي خسر أكثر من 800 مليون دولار5 من احتياطاته لتغطية فارق السعر بين منصة "صيرفة" والسوق.

إن قرب هذه التدخلات زمنيّاً من الانتخابات النيابية، وعدم ربطها بإطار أوسع للتعافي الاقتصادي الكلي، يشير بقوة إلى أنها جاءت لدوافع سياسية هدفها استرضاء الجمهور وتفادي أي احتجاجات محتملة. 

بشكل عام، تشبه النخب السياسية اللبنانية في سلوكها خلال فترة الانتخابات الحكام الاستبداديين الذين يعتمدون على دعم الجماهير للبقاء في السلطة6. وانطلاقًا من تمسكها بالسلطة، زادت الأحزاب التقليدية المسيطرة على مجلس النواب والحكومة من اهتمامها بالتشريعات الخاصة التي تعود عليها بمكاسب انتخابية، واستثمرت بكثافة في اصطناع استقرار العملة على المدى القصير إرضاءً للناخبين المحدودي الدخل، وأحجمت في المقابل عن تمرير إصلاحات مهمة، مثل موازنة 2022، خوفًا من إثارة سخط الناس بسبب ما تتضمنه من تدابير تقشفية.


 

 


1 الغصين، أ. تموز 2017. "خطوة إلى الأمام للانتخابات اللبنانية". مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

2 موتولينيا، ل. 2021. "المساءلة الانتخابية والتشريعات الخاصة: مثال من المكسيك عن عملية إصلاح نظام الانتخاب". مجلة العلوم السياسية الأمريكية American Political Science.

3 شهيب ك. تشرين الأول 2021. "لبنان يحدّد آذار موعدًا للانتخابات النيابية". الجزيرة. تجدر الإشارة إلى أنه في كانون الأول 2021، جرى تغيير موعد الانتخابات إلى 15 أيار 2022.

4 سيويل، أ. و أو. تامو. حزيران 2021. "كيف تخبطت الحكومة في الحصول على قرض من البنك الدولي بقيمة 246 مليون دولار لمساعدة العائلات اللبنانية الأشد فقرًا". لوريان توداي L’Orient Today. مبادرة سياسات الغد.

5 يعتمد الحساب على حجم معاملات صيرفة وسعر صيرفة وسعر السوق اليومي. مبادرة سياسات الغد.

6 دادلوفا، م. و في لوكاس. 2021. "أمن النظام والضرائب في الأنظمة الاستبدادية: من يخضع للضريبة وكيف؟" المجلة الأوروبية للاقتصاد السياسي European Journal of Political Economy.

From the same author

view all

More periodicals

view all
Search
Back to top