The Policy Initiative

  • eng
    • share
  • subscribe to our mailing list
    By subscribing to our mailing list you will be kept in the know of all our projects, activities and resources
    Thank you for subscribing to our mailing list.
02.18.26

تهديد مستشفى صلاح غندور: كيف تحاول إسرائيل نزع الحماية عن المرافق الصحّية في الجنوب؟

حسين شعبان

صباح يوم الإثنين 2 شباط 2026، كان الطريق العام في منطقة صفّ الهوى، عند مدخل مدينة بنت جبيل، هادئًا، تمرّ السيّارات الواحدة تلو الأخرى، وبينها مواكب مألوفة لليونيفيل، يرافقها الجيش اللبنانيّ. تصل سيّارة أجرة أمام مستشفى صلاح غندور، وتترجّل منها سيّدة مسنّة.

كانت السيّدة تسير ببطء، توقّفت لحظة قبل الدخول، ونظرت حولها كمن تبحث عن إشارة لم تجدها. لا حواجز، لا لافتات جديدة، ولا أي إجراء استثنائي. سألت إحدى العاملات في المستشفى: "شو عاد صار؟".

لم يكن هناك جواب مختلف عمّا كان عليه اليوم السابق. العمل مستمرّ، الأقسام مفتوحة، والمرضى يدخلون ويخرجون. قبل أن تتابع طريقها، قالت بما يشبه التسليم: "الله يقوّيكم، المسلّم الله"، ثم دخلت.

في اليوم السابق، تداول الناس صورًا لمنشور إسرائيليّ يحذّر السكّان من التردّد إلى المستشفى. لم يتغيّر شيء في تشغيل المستشفى، لكن شيئًا واحدًا أُضيف إلى المشهد، سؤال السيّدة عن "الأمان". سؤال يُطرح عند المدخل، ويُحمل إلى الداخل مع كل مريض.

خلال إعداد هذا التحقيق ميدانيًا، كانت أصوات القصف الإسرائيلي تُسمع من البلدات المجاورة. في لحظات متقطّعة، كان دويّ انفجار يقطع الحديث، ثم يعود كل شيء إلى مجراه. أحدهم علّق بصوت منخفض: "اليوم هناك… وغدًا لا نعرف أين، الخطر في كلّ مكان، بتهديد أو بدونه".

والقصف ليس جديدًا على جنوب لم يتوقّف فيه العدوان منذ وقف إطلاق النار، لكن اقترانه بتهديد مستشفى جعل المشهد أكثر فجاجة. يُستكمل العلاج في الداخل، فيما تنزع الحماية في الخارج بكلمة واحدة.

ويخدم مستشفى صلاح غندور قضاء بنت جبيل، ويشكّل المرفق الاستشفائي الخاص الوحيد في المنطقة الحدودية، لتمتدّ خدماته إلى قرى متداخلة مع صور ومرجعيون. وهو يعمل كمستشفى عام من حيث البنية والخدمات، وبهذا، فهو يمثّل إحدى ركائز الأمان الصحّي.

وهذا التهديد الأوّل من هذا النوع يطال مستشفى منذ وقف إطلاق النار، ويؤدّي إلى إعادة تعريف المرفق الصحي في الوعي العام كمكان خطر.

فهل يشكّل تهديد مستشفى يعمل فعليًا في تقديم الخدمات الصحية، من دون إثبات أو إنذار إجرائي، أداة حرب تستهدف الأمان الصحّي والبنية الانسانية والسلوك المدني، حتى في غياب أي عملية عسكرية، ليصبح تلقي العلاج ذاته مخاطرة محتملة داخل جغرافيا باتت في حالة "لا أمن" مستدامة؟

ينطلق هذا التحقيق من هذا السؤال. يبدأ بالتثبّت من الوقائع كما وردت حرفيًا في منشور تهديد مستشفى صلاح غندور، ثم يتوقّف عند ما لم يحدث، أي غياب أي مسار يُشبه الإنذار، بما يجعل التهديد بمثابة إعلان بنزع الحماية أكثر منه "إنذارًا" وفق الفهم القانونيّ. بعدها، يتتبّع أثر التهديد على المرضى، والطاقم، وسكّان بنت جبيل وقرى محيطة، وصولًا إلى اختبار قانوني يحدّد ما إذا كان التهديد نفسه، بهذه الصيغة، يشكّل انتهاكًا مستقلًا للحماية الطبية.

التهديد والتحقّق منه: ماذا حدث

صباح يوم الأحد 1 شباط 2026، تداولت صور لمنشور ورقي في محيط مستشفى صلاح غندور في بنت جبيل، وانتشرت صورته عبر تطبيقات المراسلة بين سكان البلدة والقرى المجاورة، ووصلت إلى الطاقم الطبي وإدارة المستشفى عبر ما نقله الناس بعضهم عن بعض.

المنشور مكتوب باللغة العربية، ويبدأ بنداء مباشر موجّه إلى "أهالي وسكان بنت جبيل". لا يحمل توقيعًا، ولا تاريخًا، ولا أي إشارة إلى جهة رسمية أو إطار قانوني. ويتضمّن النص العبارات الآتية حرفيًا: "هذا المستشفى يستخدمه عناصر حزب الله الإرهابيون، لا تقتربوا منهم".

كما يرد في المنشور النص التالي: "يا عناصر حزب الله، نحن نراقبكم". وفي سطر لاحق: "أوقفوا جهود إعادة بناء البنية التحتية للإرهاب".

في القسم السفلي من الورقة، أُدرجت خمس صور لأشخاص مرفقة ببطاقات نعي حزبية. لا يتضمّن المنشور أي شرح لسبب إدراج هذه الصور، ولا يذكر أي صلة بين الأشخاص الظاهرين فيها والمستشفى أو مضمون الاتهام الوارد في النص.

ويختتم المنشور بإحالة نصّها: "للمزيد من التفاصيل، استمعوا لـ 106FM".

وبناء على الشهادات التي جمعتها "المفكّرة القانونيّة" من سكّان في المنطقة، يمكن الاستنتاج بأنّ المنشور ألقي من مسيّرات إسرائيليّة بين 10 و20 شهر كانون الثاني 2026، ضمن منطقة بنت جبيل، ولم تنتشر صوره حتّى يوم الأحد 1 شباط 2026.

وبالتواصل مع إدارة مستشفى صلاح غندور، تبيّن أنّ المستشفى كان قد علِم بأنّ تهديدًا إسرائيليًّا طاله من خلال ما نقله إليه شهود، وهو ما أبلغه للأجهزة الأمنية، من دون أن يصله المنشور الورقي أو أن يتبلّغ به بشكل مباشر. 

ميدانيًا، لم يرافق إلقاء المنشور، ولاحقًا تداوله الواسع، أي إجراء ظاهر داخل المستشفى. لم يُسجَّل إخلاء رسميّ، ولم تُغلق أقسام الطوارئ، ولم تُفرض أيّ قيود على المداخل. استمرّ العمل الطبّي كالمعتاد، فيما أخلى المرضى والمرافقين ذاتيًّا فور انتشار المنشور قبل أن يعود بعضهم لاحقًا.

.. وما لم يحدث

بعد التثبّت من مضمون المنشور، تبرز مجموعة وقائع لا تقلّ أهمية تتعلّق بما لم يحدث قبل التهديد أو بعده، مقارنةً بالمسار الإجرائي الذي يفترض أن يُعتمد في حال توجيه إنذار لمرفق طبي وفقًا للقواعد الدولية.

فالتحذير القانوني، في حال الادعاء بوجود استخدام عسكري لمرفق طبي، يفترض مخاطبة الجهة التي تدير المرفق ومنحها فرصة "التصحيح"، وفي منطق القانون الدولي الإنساني، الادعاء بالاستخدام الضار يفرض تسلسلًا واضحًا عبر إنذار موجّه للإدارة، ومهلة معقولة، ثم تحقق (المادة 13 من البروتوكول الأوّل الإضافي لاتفاقيات جنيف).

ويقول مدير المستشفى الدكتور علي شلهوب في حديثه مع "المفكّرة": "أُخطِرنا نقلًا عن شهود بإلقاء منشور إسرائيليّ يتّعلق بنا قبل حوالي 3 أسابيع، ونحن لم نرَ المنشور الورقيّ لولا أنّه وصلتنا صورته عبر واتساب يوم الأحد". وبعبارة مباشرة: "لم نتلقَّ أي تبليغ عبر أي قناة رسمية. كل ما عرفناه عن الموضوع وصلنا من خلال الناس".

وفق إفادة إدارة مستشفى صلاح غندور، ومراجعة الوقائع المحيطة بتوزيع المنشور، يمكن تثبيت الآتي: أوّلًا، لم يُوجَّه أي إنذار إلى إدارة المستشفى، لا مكتوبًا ولا شفهيًا، لا قبل توزيع المنشور ولا بعده. ثانيًا، لم يصل كتاب، ولم يُسجَّل اتصال، ولم تُبلَّغ الإدارة عبر أي جهة وسيطة بوجود ادعاء يتطلّب ردًا أو إجراءً. ثالثًا، لم تُمنَح أي مهلة زمنية ولا مرحلة يُفترض أن تسبق أي تطوّر لاحق، بل ظهر المنشور كواقعة مكتملة. ورابعًا، لم يُطلب أي إجراء تصحيحي مثل وقف نشاط، أو إخلاء قسم، أو تسليم معلومات، أو تعديل في آلية العمل. ولم تُعامل إدارة المستشفى كجهة يُفترض أن تقوم بفعل ما ردًا على ادعاء ما.

يُظهر غياب هذه العناصر الأربعة أنّ ما صدر لم يُصَغ على هيئة مسار يمكن التعامل معه إداريًا، أو مساءلته، أو حتى التفاعل معه.

وبالعودة إلى النص ولغته المستعملة، يظهر أنّ المخاطب لم يكن إدارة المستشفى بل السكّان مباشرة. أمّا الادعاء الذي يحمله المنشور عن "استخدام" عناصر حزب الله للمستشفى، فيُقدَّم بوصفه حقيقة مسلّمًا بها، ولا لا يحدّد كيف يُستخدم المستشفى، ولا متى، ولا أي جزء منه، ولا طبيعة هذا "الاستخدام"، ما يجعل الادعاء غير قابل للتحقق أصلًا.

رغم ذلك، يقفز المنشور الإسرائيليّ نحو إعلان المستشفى "منطقة خطرة" ودعوة صريحة للسكان بعدم الاقتراب. أيّ أنّ المنشور لا يطلب تصحيح فعل أو وضع مزعوم، بل ينتج أثره فورًا عبر المجتمع.

وبالنسبة لموجة الراديو التي يحيل إليها المنشور في الختام أي: 106 FM  فقد تبيّن لـ "المفكّرة" أنّ هذه الموجة كانت تتبع لإذاعة لمليشيا "جيش لبنان الجنوبي" التابعة للجيش الإسرائيلي إبّان احتلاله للمنطقة قبل التحرير عام 2000، وقد أُعيد تفعيلها من قبل الجيش الإسرائيلي قبل أكثر من عام، ويتنوّع ما تبثّه بين محتوى دعائيّ، وآخر تهديديّ، يوجّه إلى سكّان القرى الحدودية. وبالتالي فهي لا تفتح قناة قانونيّة لتبليغ إنذار.

لبّ الادّعاء: صور شهداء

في أسفل المنشور، أدرجت خمس صور لشهداء مرفقة ببطاقات نعي حزبيّة. لم يقدّم النص أي شرح لسبب إدراج هذه الصور، ولا أي بيان يربط أصحابها بالمستشفى، أو يوضح طبيعة علاقتهم به. حضرت الصور بوصفها عنصرًا بصريًا صامتًا، بما يبدو أنّه قد أريد له أن يقوم مقام الدليل لإثبات الادعاء الوارد في المنشور من دون أن يبيّن كيف تُستخدم الصور لإثبات ذلك. . وبتحقّق "المفكّرة" من الأسماء الواردة في البطاقات، وهي من اليمين إلى اليسار: خليل إبراهيم كرنيب، علي عبد القادر إسماعيل، محمد فادي شعيتو، حسن محمد حمودي جمعة، وعلي محمد حسن قوصان، يتبيّن أنّها بطاقات نعي حقيقية، صادرة عن حزب الله.

وبمراجعة سياقات استهداف كلّ منهم، يظهر أنّ كرنيب قضى باستهداف سيّارته في برعشيت يوم 8 تشرين الثاني 2025. وقضى إسماعيل، باستهداف بصاروخ من مسيّرة لاحقته بعد أن ترجّل من سيارته على طريق الطويري صريفا، يوم 26 تمّوز 2025. وقضى شعيتو باستهدافه على درّاجته الناريّة في الطيري يوم 21 تمّوز 2025. كما قضى جمعة باستهداف سيارته في بلدة كونين يوم 28 حزيران 2025، وقضى قوصان بغارة من مسيّرة على سيارته في برعشيت يوم 25 تمّوز 2025.

ويبيّن التدقيق أنّهم جميعًا يتحدّرون من قرى قضاء بنت جبيل، وهي على التوالي: مارون الراس، برعشيت، الطيري، بنت جبيل، وعيترون، وقد استهدفوا خلال تنقلاتهم بسياراتهم أو دراجاتهم الناريّة بين حزيران وتشرين الثاني 2025، أي بعد إعلان وقف الأعمال العدائيّة، وهو ما كانت قد أدرجته "المفكّرة" في إطار عمليّات اغتيال على أساس الانتماء الحزبيّ في فضاءات مدنيّة تحدث من دون تقديم دليل قتاليّ، ضمن نمط "القتل المستهدف" غير المشروع والذي يرقى إلى إعدامات خارج نطاق القضاء أو إعدامات تعسّفية.

وبمراجعة الوقائع الموثّقة، وسجلات مستشفى صلاح غندور، والشهادات المتقاطعة التي جمعتها "المفكّرة" من عائلاتهم ومحيطهم السكاني، تَظهر مؤشّرات بأنّ التهديد حصل لمجرّد استفادة عناصر حزبيّة من خدمات المستشفى الطبيّة في حياتهم المدنيّة.

بحسب إفادة إدارة المستشفى، فإنّ أيًّا من الأشخاص الظاهرين في الصور كان من الطاقم الطبّي في المستشفى، ولا من العاملين فيه، ولا من المتعاقدين معه. ويؤكّد مدير المستشفى أنّ إدراج صورهم لا يستند إلى أي صلة مهنية أو تشغيلية بالمرفق الطبي: "هؤلاء الشهداء ليسوا من كادر المستشفى. هم أبناء المنطقة. من يدخل منهم المستشفى يدخل لأسباب صحية فقط. يدخلون كمواطنين مدنيين، بلباس مدني، لتلقّي العلاج، لا أكثر".

وأكّدت إدارة المستشفى أنّها لا تسمح بدخول أيّ شخص مسلّح إلى حرمها، وأنّها تقدّم الرعاية على أساس الحاجة الطبية فقط، من دون أي تمييز على أساس الانتماء السياسي أو الديني أو الطائفي، لأنّ ذلك يناقض جوهر الواجب الطبي. ويقول المدير: "رسالتنا الطبية تلزمنا باستقبال كل شخص بصفته المدنية كمريض له حق العلاج من دون تمييز. ما لا نقبل به هو أيّ دخول عسكريّ إلى المستشفى".

وتؤكّد مقاطعة مصادر داخلية مع شهادات عائلية ومجتمعية مستقلة، جُمعت خلال العمل الميداني على هذا التحقيق،  أنّ دخول الأشخاص الحزبيّين إلى المستشفى يحدث من دون أي مظهر مسلّح أو نشاط عسكري داخل المرفق.

بناءً عليه، لا تُثبت الصور التي يوردها المنشور أي "استخدام عسكري" للمستشفى، ولا تقدّم قرينة واحدة على تحويله إلى موقع عسكري. على العكس، فإنّ إدراج صور أشخاص من أبناء المنطقة، يترددون إلى المستشفى بصفاتهم المدنية، يحوّل هذه المادة البصرية إلى عنصر كاشف لطبيعة التهديد نفسه، كمحاولة لربط العلاج والطبابة بسردية عسكرية، عبر تجريم البيئة المدنية بما فيها المرفق الصحي.

وإذا كان تقديم المستشفى علاجًا لأيٍّ كان يستخدم ذريعة للاتهام، فإنّ محلّ الإشكال لا يكون في المرفق الطبي، بل في السلوك الذي يسعى إلى نزع صفته المدنية عبر خلطٍ متعمّد بين العلاج وسياقات لا مكان لها داخل المستشفى.

الأثر المجتمعي: ماذا فعل التهديد بالناس؟

للوقوف على أثر المنشور على الناس، اعتمد التحقيق عملًا ميدانيًا امتدّ لأيّام تلت انتشار المنشور. جرى التواصل مع مخاتير من قرى محيطة ببنت جبيل، ضمن عيّنة تعكس التنوّع السياسي والطائفي في المنطقة، وكذلك تحدّثنا مع سكان من مرضى ومرافقين وأهالٍ يعيشون في نطاق خدمة المستشفى. كما جمعنا شهادات من عدد من أفراد الطاقم الطبي والتمريضي، ورُصدت الحركة اليومية داخل الأقسام خلال ساعات الذروة وبعدها. الهدف لم يكن قياس "الامتناع" فحسب، بل تتبّع كيف يُعاد تنظيم السلوك المدني تحت ضغط تهديد غير مصحوب بمسار.

ويخدم مستشفى صلاح غندور قضاء بنت جبيل الذي يضمّ أكثر من 30 ألف نسمة، ويقصده سكّان القرى الحدوديّة وقرى متداخلة مع قضاءي صور ومرجعيون. وتُحال إليه بعض الحالات التخصصية من مناطق أبعد، ولا سيّما جراحات الشرايين والأعصاب.

ووفقًا لبيانات المستشفى، يُقدَّر عدد المراجعين يوميًا بما بين 300 و400 مريض، موزّعين على الطوارئ، والعيادات الخارجية، والأقسام الداخلية، والمختبر، والتصوير الطبي.

وهو يعمل كمستشفى عام من حيث البنية والخدمات، حيث يضمّ غرفتي عمليات، وطوارئ على مدار الساعة، وعناية فائقة، وأقسام للأطفال وللنسائية والتوليد، إضافة إلى مختبر وأشعّة وسكانر. وتديره الهيئة الصحية الإسلامية منذ عام 2000.

صدمة اليومين الأوّلين

في يوم الأحد، ومع تداول صورة المنشور، كان الأثر فوريًا لكنه غير مستقر. في الساعات الأولى، خرج كلّ المرضى بدافع الخوف. "كان السؤال واحدًا: هل المكان آمن؟ لم يكن لدينا أي معلومة إضافية نجيب بها"، تقول إحدى الشهادات من أحد العاملين في المستشفى.

في الأقسام، طرح العاملون أسئلة على الإدارة حول معنى المنشور وما إذا كان يترتّب عليهم اتخاذ أي إجراء. فيما أكّدت الإدارة أنّها تتعامل مع الوقائع المتاحة فقط. وقد تواصلت الإدارة مع الأجهزة الأمنيّة ووزارة الصحة بوصفها وزارة الوصاية، فور إخطارها بوجود التهديد، ومع إعادة تداوله. ولكن هذا التواصل لم يفضِ إلى أي قرار يطلب إخلاء المستشفى أو القيام بأيّ إجراءات محدّدة.

وأصدرت إدارة المستشفى بيانًا عصر ذلك اليوم، رأت فيه أنّ المنشور الإسرائيليّ يمثّل تهديدًا مباشرًا للعاملين فيها، رافضةً الاتهامات ومحاولات ربط المرفق بأي نشاط عسكري، ومؤكدة استمرار العمل مع مطالبة الجهات المعنيّة بضمان الحماية. كذلك دانت وزارة الصحة التهديدات التي طالت مستشفيات الجنوب وأعلنت متابعتها للملف ووضع سلامة المرضى والطواقم في مقدّمة أولويّاتها، من دون الإعلان عن إجراءات تنفيذية محدّدة1.

لكن على الأرض، كان التهديد يتفاعل. إحدى الممرضات المناوبات تصف المشهد: "القلق لم يكن على المبنى بقدر ما كان على الناس. المريض يأتي ضعيفًا أصلًا. أن تضيف له هاجسًا أمنيًا، فهذا عبء آخر".

ولم تسجّل مغادرة الكادر الطبّي، ممّا ساعد على استعادة بعض الهدوء، بحسب الشهادات، وقد سجّلت عودة بعض المرضى بعد مغادرتهم، لاسيّما مع حاجتهم للعلاج.

في اليوم التالي، كانت الاتصالات ترد إلى المستشفى من مرضى يستفسرون عن مواعيد عملياتهم، وما إذا كانت قد أُلغيت أو أُعيدت جدولتها، فيما أكّدت الإدارة أنّ العمليات قائمة في مواعيدها.

غير أنّ مراجعة هذا المسار تُظهر أنّ قرار الاستمرار في العمل لم يكن نتيجة توفير حماية إضافية، بل نتيجة غياب أي إنذار أو طلب إجرائي قابل للتعامل معه. فطبيعة التهديد، بوصفه خطابًا موجّهًا إلى السكان لا إلى الإدارة، لم تفتح أمام المستشفى مسارًا عمليًا سوى الاستمرار في العمل تحت ضغط الخطر.

ما بعد الصدمة: عودة "الطبيعي" تحت الضغط

في الأيام التالية، عاد العمل إلى ما يُشبه "الطبيعي". المرضى يأتون إلى الطوارئ، العمليات المبرمجة أُنجزت، وراجعت أقسام العيادات الخارجية أعدادٌ قريبة من المعدّل. حتى أنه سُجّل وصول طلاب تمريض وطب للاستفسار عن فرص تدريب، في مشهد بدا متناقضًا مع أهداف التهديد.

لكن هذا "الطبيعي" لم يكن عودة إلى الأمان، بل تكيّفًا مع خطر مفروض. تختصر شهادة أحد العاملين في قسم الطوارئ هذا التحوّل بالقول: "نحن لم نعد نسأل إن كان المستشفى آمنًا. نحن نعمل كأنّ الخطر مفروض، ونبني قراراتنا الطبية فوق هذا الافتراض. هذا ليس وضعًا طبيعيًا للعمل الطبي طبعًا، لكنّه جزء من أداء الواجب".

السلوك المدني خارج المستشفى

خلال العمل الميداني، تواصلت "المفكّرة" مع 15 مختارًا من بنت جبيل وقرى محيطة، في محاولة لرصد أثر التهديد خارج أسوار المستشفى، أي في البيئة التي يُفترض أن تتخذ قرار الوصول إليه أو تجنّبه. لم تظهر هذه الشهادات نمطًا واحدًا، بل طيفًا من المواقف يعكس طرقًا مختلفة في التعامل مع الخطر.

عشرة من المخاتير أشاروا إلى أثر مباشر في اليومين الأولين بعد انتشار المنشور، تمثّل في نصائح غير رسمية سرت بين الأهالي "بالتريّث إن لم تكن الحالة طارئة"، كاستجابة لحالة قلق مفاجئة. أحدهم قال: "لم نقل للناس لا تذهبوا، قلنا لهم انتبهوا إذا في مجال".

في المقابل، ركّز ثلاثة مخاتير على شجب المنشور ورفض الاتهام أكثر من توصيف أثره العملي. هؤلاء أكّدوا أنّ المستشفى بقي مقصدًا أساسيًا للمرضى، وأنّ الحاجة إلى العلاج، وقرب المرفق، وجودة خدماته، عوامل طغت على أي اعتبار آخر. قال أحدهم: "المريض يريد علاجًا، وهذا أقرب مستشفى، والناس تعرفه".

مختاران فضّلا عدم الخوض في توصيف الأثر، معتبرين أنّ الخطر قائم على الجميع، وأنّ الذهاب إلى المستشفى تحكمه الضرورة وجودة الخدمة.

بموازاة ذلك، وسّعت "المفكّرة" دائرة الرصد لتشمل 35 من السكان، من نساء ورجال، ومن فئات عمرية مختلفة، عبر جولات في سوق بنت جبيل، ومحال تجارية، ومقاهٍ، في بنت جبيل وقرى محيطة. هنا، لم يظهر خطاب سياسي منظّم، بل توصيفات يومية لسلوك تغيّر جزئيًا.

بين هؤلاء، تكرّر توصيف واحد، بأنّ الإحساس بعدم الأمان حاضر. قال أحد التجّار في السوق: "لست خائفًا، لكنّنا نشعر بالخطر". وقالت سيدة خمسينية من إحدى القرى: "الخطر موجود دائمًا، ويستهدف كلّ شيء".

آخرون عبّروا عن موقف أكثر حسمًا، يقوم على رفض التهديد بوصفه "كلامًا دعائيًا"، ورفض تصديق الخطر باعتبار أنّ "الاستسلام له أخطر".

رغم اختلاف اللهجات والمواقف، برز قاسم مشترك في معظم الأحاديث، وهو أنّ الخطر ليس مرتبطًا بمكان واحد. صاحب محل خضار في سوق بنت جبيل لخّص ذلك بعبارة تردّدت على لسان آخرين بصيغ مختلفة: "الخطر موجود في البيت، وفي الطريق، والآن يُقال إنه موجود في المستشفى أيضًا".

بهذا المعنى، لا تظهر هذه الشهادات انسحابًا جماعيًا من المرفق الصحي، ولا تجاهلًا للتهديد، بل أنماطًا متعدّدة من التكيّف معه، عبر التريّث، أو تقديم الحاجة الصحية على الخوف، أو رفض الاتهام مع إدخاله في الحساب اليومي. وهي سلوكيات مدنية تتشكّل تحت ضغط التهديد، حتى حين يقال إنّه "غير مؤثّر".

ضغط دائم على الكادر الطبّي

الأثر الأعمق بدا داخل بيئة العمل. طبيب يختصره: "نحن نعمل كما يجب، لكن بجهد نفسي مضاعف. التركيز الطبي يحتاج شعورًا بالحماية. حين تُمسّ هذه الحماية، يصبح كل إجراء أثقل".

ويضيف المدير: "الكادر من أبناء المنطقة. وهو، كما أبناء المنطقة، فوق عبء النزوح والخسارة، يأتيه تهديد يقول ضمنًا إن المكان الذي نخدم فيه قد يكون خطرًا. هذا عبء كبير طبعًا".

من الأثر إلى الهدف: ماذا تفعل هذه التهديدات؟

لم يُغلق المستشفى، ولم يؤدِّ التهديد إلى إخلاء دائم. لكن الأثر الذي يظهر هو إعادة تنظيم سلوك الكادر والناس، من خلال خروج مؤقّت ثم عودة مشروطة، وتردّد محسوب، وأسئلة لا تجد مرجعًا، وعمل "طبيعي" يُؤدّى تحت ضغط دائم.

وباعتبار التهديد أداة تعمل على تفكيك الأمان المدني من الداخل، يأتي السؤال التالي: ماذا يفعل هذا النوع من التهديدات حين يُستخدم على هذا النحو، وإلى أي قصد يقود؟

ما يوثّقه التحقيق في القسم السابق لا يفتح باب الاستنتاج حول نوايا غير مُعلنة، لكنه يتيح تحديد ما يفعله هذا النوع من التهديدات عمليًا حين يُلقى في فضاء مدنيّ يعيش أصلًا تحت ضغط استمرار الاعتداءات اليوميّة.

ويبان أنّ أول ما يفعله التهديد هو زعزعة الثقة بكون المستشفى مساحة محميّة. ثانيًا، يُفرِّغ التهديد المكان من صفته كملاذ، فيُعاد تعريفه في الوعي العام باعتباره مكانًا محفوفًا بالخطر.، وتتآكل الطمأنينة التي تُمكّن المرفق من أداء وظيفته.

ثالثًا، يضرب التهديد فكرة العودة والاستقرار في منطقة تحاول إعادة تنظيم حياتها بعد تهجير سكّانها وفي ظل استمرار الاعتداءات اليوميّة على العائدين إليها. ويضمن القرار 1701 عودة النازحين إلى جنوب لبنان، ويؤكّد إعلان وقف الأعمال العدائيّة في خلاصته، أنّ هذه العودة هي الهدف من ورائه.

وأخيرًا، تهدّد زعزعة الملاذ، الخدمة الطبية، وتهدّد الأمان الصحي للمجتمع الذي يعتمد عليه، ما يدفع الناس إلى التعامل مع العلاج بوصفه مخاطرة، بدل أن يكون حقًّا.

من هنا، لا يحتاج التهديد إلى أن يقول أكثر ممّا قال. وظيفته لا تقوم على التنفيذ، بل على إعادة تنظيم السلوك داخل المستشفى وتجاهه من المجتمع المحيط. وحين ينجح في ذلك - ولو جزئيًا - يكون قد أدّى دورًا يتجاوز الورقة التي كُتب عليها، ويمهّد للانتقال إلى السؤال القانوني: كيف يُقيَّم هذا السلوك حين يُستخدم كأداة قائمة بذاتها؟

التهديد كجريمة مستقلة

لا يُقاس هذا التهديد قانونيًا بما قد يليه من ضربات، بل بما أنجزه بحدّ ذاته. فالوقائع الموثّقة في هذا التحقيق تُظهر أنّ المنشور لم يكن مجرّد تمهيد محتمل لهجوم لاحق، بل فعلًا مستقلًا استكمل عناصر انتهاك الحماية الواجبة للمرافق الطبية والسكان المدنيين وفقًا للفريق القانوني في "المفكّرة".

محاولة نزع الصفة المدنية: عرقلة محظورة للعمل الطبي

وفقًا للقانون الدولي الإنساني، تتمتّع المستشفيات المدنية بحماية خاصّة من العمليات العسكرية، ويُحظر أي تدخّل من شأنه عرقلة عملها أو تقييد الوصول الآمن إليها من دون ضرورة عسكرية. ولا يقتصر هذا الحظر على الاستهداف المادي، بل يشمل الأفعال التي تُفرغ الحماية من مضمونها العملي.

وتستمر هذه الحماية طالما لم ترتكب الوحدات الطبية "أعمالًا ضارّة بالخصم تخرج عن نطاق مهمّتها الإنسانية". وتنصّ المادة 13 من البروتوكول الإضافي بوضوح أنّ "وجود أفراد من القوّات المسلحة أو من سواهم من المقاتلين في الوحدة لأسباب طبية" لا تعتبر من الأعمال الضارّة بالخصم.

وتشمل هذه الحماية العناصر والمؤسّسات التابعة لجهات مثل الهيئة الصحية الإسلامية، الجهة المشغّلة لمستشفى صلاح غندور، باعتبارها جهة إغاثة مرتبطة بأحد أطراف النزاع طالما أنّها مخصّصة للأغراض الطبية والإغاثية حصرًا. ويأتي هذا التهديد ضمن المحاولات الإسرائيلية لتحوير مفهوم الهدف المشروع للعمليات العسكرية، إذ يقتصر أعضاء "المجموعات المسلّحة المنظمّة" مثل حزب الله على الأشخاص الذين تكون وظيفتهم المستمرّة هي المشاركة بشكل مباشر في الأعمال القتالية. ولا يفقد المدنيون والطواقم الطبية هذه الحماية بمجرّد انتمائهم إلى هيئات مدنية تابعة لمجموعة مسلّحة منظّمة.

إنّ محاولة نزع الصفة المدنية عن مستشفى عبر الاتهام الخطابي، ومن دون مسار قانوني، أدّى فعليًا إلى (أ) تحميل المرضى ومرافقيهم عبء تقدير الخطر، (ب) وضع الطاقم الطبي تحت ضغط أمني ونفسي إضافي، (ج) تقويض الثقة بالحماية للمرفق الصحّي. وكلّ هذا يشكّل تدخّلًا محظورًا في عمل وحدة طبية، حتى من دون قصف أو إخلاء قسري.

حتى في الحالات الاستثنائية التي يُدّعى فيها استخدام مرفق طبي لأغراض عسكرية، يفرض القانون الدولي شروطًا صارمة، لناحية تقديم دليل، وتوجيه إنذار إلى الإدارة، ومنح مهلة معقولة للتصحيح، وحصر أي إجراء بالحدّ الأدنى الضروري.

في هذه الواقعة، لم يُقدَّم دليل، ولم تُخاطَب الإدارة، ولم تُحدَّد ضرورة عسكرية، ولم يُفتح أي مسار تحقق. وعليه، لا يمكن للاتهام أن ينتج أي أثر قانوني مشروع.

التهديد وبثّ الذعر: فعل محظور بحدّ ذاته

يحظر القانون الدولي الإنساني أيّ عمل، بما في ذلك التهديد باستخدام العنف، إذا كان من شأنه بثّ الذعر بين السكان المدنيين أو حملهم على تغيير سلوكهم من دون تحقيق ميزة عسكرية ملموسة. هذا الحظر منصوص عليه صراحة في البروتوكول الإضافي الأوّل لاتفاقيات جنيف (المادتان 48 و51)، ولا يتطلّب تحقّقه وقوع ضربة فعلية.

في حالة مستشفى صلاح غندور، وُجِّه التهديد مباشرة إلى السكان، لا إلى إدارة المستشفى، وتضمّن اتهامًا غير مُثبت وتحذيرًا من الاقتراب، من دون تحديد فعل قابل للتصحيح أو مسار متابعة. والأثر الموثّق لم يكن عسكريًا، بل نفسيًا وسلوكيًا، عبر زعزعة الأمان، تحميل المدنيين مسؤولية الخطر، وإعادة تنظيم الوصول إلى العلاج تحت الضغط.

وبناءً على الوقائع المثبّتة، فإنّ التهديد بنزع الصفة المدنية عن مستشفى، عبر اتهام غير مُثبت موجَّه إلى السكان، وتحميل المدنيين مسؤولية الخطر، وإحداث أثر ذعري يعوق الوصول الآمن إلى العلاج، يُشكّل انتهاكًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، ينبغي التحقيق فيه كجريمة حرب محتملة.

سياق خطير من الاستهدافات والتهديدات

تندرج هذه الواقعة ضمن نمط سبق أن وثّقته "المفكّرة القانونية" في حالات مشابهة، في إخبار جريمة حرب، بعد حملة تحريض وتهديد طال مستشفى الساحل يوم 21 تشرين الأوّل 2024 زعمت وجود أنفاق تحت المبنى يستخدمها حزب الله لتخزين الذهب والأموال. واستُخدم الاتهام غير المُثبت أداةً لإفراغ المرفق الصحي من وظيفته الإنسانية في ظلّ العدوان الموّسع، من دون الحاجة إلى استهدافه مباشرة.

وما يجعل تهديد مستشفى صلاح غندور خطيرًا، ليس كونه سابقة بعد وقف إطلاق النار فحسب، بل كونه يأتي فوق سجلّ موثّق من الاستهداف الفعلي وفشل متراكم في ضمان الحماية التي يتمتع بها بوصفه مرفقًا طبيًَا، بعد كلّ تهديد واستهداف. فالمستشفى ليس خارج ذاكرة القصف. في عدوان تموز عام 2006، سقطت قذيفة داخل حرمه. وفي 27 أيار 2024، تعرّض مدخله لقصف مباشر أدّى إلى سقوط شهيدين (حارس ومرافق لمريض) وعدد من الجرحى، بينهم مرضى وموظفون، في أوّل استهداف لمستشفى منذ 8 تشرين الأوّل 2023.

وخلال الغزو الإسرائيلي، في 4 تشرين الأول 2024، استهدف الطابق الثاني إثر إنذار لم تنقضِ مهلته، رغم التجاوب معه بخروج عناصر الدفاع المدني - الهيئة منه، فجُرح أطباء أثناء عملهم. والأخطر، أنّ محاولات تأمين ممرّ آمن لإخلاء الجرحى آنذاك فشلت. والاتصالات مع الجيش اللبنانيّ واللجنة الدوليّة للصليب الأحمر لم تُنتج حماية، ولا ضمان مرور، ما أوجب تعطيل المستشفى وإخلاؤه حتّى وقف إطلاق النار، وقد نقل المصابون حينها بسيارات خاصة، تحت القصف، وعلى طرقات قطعت لاحقًا بالغارات.

وقد نشرت "المفكّرة القانونية" إخبارًا عن جريمة حرب بشأن استهداف مستشفى صلاح غندور حينها، بناء على هذه الوقائع.

هنا، يتغيّر معنى التهديد الأخير بالكامل، فهو لا يلقى على منشأة لم تمسّ، ولا على طاقم يثق بأن مظلة الحماية ستُفعَّل عند الحاجة. إنّما يلقى على مكان يعرف، بالتجربة، أنّ الحماية قد تخترق، وأن التحذيرات قد لا تحترم، وأن الضرب قد يأتي حتى قبل انتهاء أي "مهلة".

تظهر هذه المعطيات أن ما يجري ليس مسارًا تصاعديًا من التحذير إلى القصف، بل سلسلة معكوسة، من قصف سابق لم يحاسب عليه، وفشل حماية لم يصحَّح، ثم تهديد يعاد إنتاجه، كأنه ممارسة طبيعية.

الأخطر من التهديد نفسه، هو المنطق الذي يحمله، منطق يقول إنّ الارتباط التنظيمي لمرضى يستفيدون من خدماته الصحيّة كاف لنزع الحماية، حتى من دون ادّعاء استخدام عسكري، وحتى حين يكون النشاط طبيًا صرفًا.

هذا المنطق، إذا قبل، لا يهدّد مستشفى واحدًا، بل يفرّغ مفهوم الحماية من مضمونه. فالمرافق الصحية في الجنوب، كما غيرها من البنى المدنية، هي ركن من أركان الاستقرار المجتمعي. ضرب الثقة بها، أو ربطها سياسيًا يعطّل شروط العودة، ويُفكّك ما تبقّى من بنية مدنية في منطقة تعيش أصلًا تحت ضغط التهجير والقصف.

أي مسؤولية للدولة اللبنانية والمنظمات الدولية؟

في بنت جبيل، المستشفى لا يزال يعمل، لكن الخطر الحقيقي هو أن يُطلب منه، ومن مرضاه، ومن طاقمه، أن يعملوا دائمًا رغم الخطر. وحين يصبح هذا هو "الطبيعي"، تكون الحماية نفسها قد انهارت.

التعامل مع هذا التهديد يجب أن يبدأ باعتباره انتهاكًا قائمًا بذاته، لا مقدّمة محتملة لضربة. وهذا ما يضع الدولة اللبنانية أمام مسؤولياتها في تثبيت الواقعة رسميًا ضمن سجلّ الانتهاكات، وطلب تحقيق واضح في نزع الحماية الخطابي عن مرفق صحي يعمل فعليًا. وتقع على عاتق وزارة الصحة مسؤولية توثيق أي تهديد يطال مرفقًا طبيًا بوصفه مساسًا مباشرًا بالأمن الصحي للسكان، وإحالته إلى الجهات المختصة داخليًا ودوليًا.

ويتوجّب التعامل مع هذا التهديد بوصفه خرقًا خطيرًا لإعلان وقف الأعمال العدائيّة، وبحسب نصّ إعلان وقف الأعمال العدائيّة، فإنّ على "الآلية" The Mechanism (برئاسة الولايات المتحدة وبمشاركة فرنسا) بالتنسيق مع اليونيفيل، مسؤوليّة "المراقبة والتحقق والمساعدة في ضمان إنفاذ الالتزامات" (البند 9). ولا يمسّ هذا  بحقّ لبنان في التواصل مباشرة مع مجلس الأمن (البند 10).

وتعدّ اللجنة الدولية للصليب الأحمر والأمم المتحدة وسائر الهيئات المعنية بحماية المرافق الصحية، معنيّة بالتعامل مع التهديدات بوصفها جزءًا من نمط استهداف، وعلى عاتقها تفعيل آلياتها الرقابية والتوثيقية، والمطالبة بضمانات واضحة وفعّالة لصون الحماية المقرّرة لمستشفى صلاح غندور.

يُظهر هذا التحقيق أنّ المسألة لم تعد تتعلّق بقدرة مستشفى على الصمود، بل بحدود المقبول قانونيًا وسياسيًا. فإذا سُمح بأن ينزع الغطاء المدني عن مرفق صحي بالاتهام وحده، يصبح أي مستشفى قابلًا للتجريد من حمايته بالكلام. وبهذا، تثبّت إسرائيل أنّ العمل الطبي في الجنوب اللبناني تحت التهديد بات قاعدة، لا استثناء.

"تم تحرير هذا المقال في إطار مشروع "مرصد إعادة الإعمار" الذي تنفّذه المفكّرة القانونية بالتعاون مع مبادرة سياسات الغد، استديو أشغال عامة، ومختبر المدن – بيروت."

 


 1- صدرت أيضًا بيانات استنكار للتهديد عن جهات صحّية منها نقابة المستشفيات في لبنان التي اعتبرته خطرًا على القطاع الصحي، داعيةً إلى تحرّك يضمن حماية المرافق الطبية وفق الاتفاقيات الدولية. كذلك استنكرت نقابة أطباء لبنان في بيروت، التهديد، مشدّدة على أنّ حماية المستشفيات والمرافق الصحية هي مسؤولية دولية، ويجب على جميع الجهات احترامها. وأصدر عدد من المستشفيات والمراكز الطبيّة أيضًا بيانات استنكار وتضامن.

 

More periodicals

view all
Search
Back to top