The Policy Initiative

  • eng
    • share
  • subscribe to our mailing list
    By subscribing to our mailing list you will be kept in the know of all our projects, activities and resources
    Thank you for subscribing to our mailing list.
09.22.25

الأيّام المئة الأولى لحكومة سلام: مؤشّرات مبكّرة وقيود بنيويّة

ليا غندور,
سامي عطاالله,
سامي زغيب

تحميل التّقرير

دخل لبنان عام 2025 وسط أزمات متداخلة: انهيار اقتصاديّ، ودمار حرب عام 2024، وسنوات من الشلل السياسيّ. فقدت العملة الوطنيّة تقريبًا كامل قيمتها، وشمل الفقر أكثر من 60٪ من الأسر، وقُدِّرت احتياجات إعادة الإعمار بنحو 14 مليار دولار. وسط هذا السياق الهشّ، حدث تقدُّم سياسيّ: انتخاب جوزيف عون رئيسًا للجمهوريّة في 9 كانون الثاني، تلاه تشكيل نوّاف سلام حكومةً كاملة الصلاحيّات في 8 شباط، وهي الحكومة الأولى منذ عام 2021.

يقيّم هذا التقرير الأيّام المئة الأولى لحكومة نوّاف سلام، ويقارن أداءها بمعيارَين: أوّلهما، سجلّ حكومة نجيب ميقاتي غير المكلّفة بتصريف الأعمال لعام 2021؛ وثانيهما، التقدُّم الذي أُحرِزَ في ثلاث أولويّات وطنيّة أساسيّة للتعافي، المتمثّلة في المضيّ قُدُمًا في إصلاحات صندوق النقد الدوليّ، والبدء بإعادة الإعمار، وتفعيل الإستراتيجيّة الوطنيّة للحماية الاجتماعيّة (NSPS).

وتكشف النتائج أنّ الحكومة أكثر نشاطًا وانخراطًا من سابقتها، لكنّها لا تزال مقيّدة ببُنى حقّ النقض الراسخة:

تفعيل تنفيذيّ: عقدت حكومة سلام 12 جلسة (مقابل 3 جلسات لحكومة ميقاتي)، وأصدرت 277 مرسومًا وقانون (مقابل 141)، بما في ذلك 35 نصًّا تنظيميًّا (مقابل 4 نصوص). كما قامت حكومته بتعيينات أكثر، وقبلت مساهمات دوليّة أكثر، وأصدرت عددًا أقلّ من التحويلات والتراخيص التقديريّة.

نشاط تنظيميّ من دون عمق: امتدَّ نشاط سلام التنظيميّ ليشمل 13 قطاعًا سياسيًّا، لكنّ معظم النصوص كانت إجرائيّة، شملت توضيح الإجراءات، وتعديل التعويضات، أو إصدار تدابير مؤقَّتة. وتحدَّدَ الإصلاح البنيويّ الوحيد في تعديل قانون السرِّيَّة المصرفيّة.

إعادة التوازن الإداريّ: عيّنت الحكومة 35 شخصًا (منهم 7 في الدفاع والأمن، مقارنةً بعدم تعيين أيّ شخص في عهد ميقاتي)، ووافقت على 107 مساهمات بقيمة 14 مليون دولار، وسمحت بعدد أقلّ من التحويلات والتراخيص. تشير هذه التغييرات إلى مشاركة خارجيّة أكبر، وإلى بعض التقييد في ممارسات المحسوبيّة، على الرغم من أنّ الدوافع لا تزال غامضة.

بقاء الأولويّات الوطنيّة معلَّقة:

- إصلاحات صندوق النقد الدوليّ: أعاد سلام تفعيل الملفّات الرئيسة (قانون إعادة هيكلة المصارف، وإستراتيجيّة إعادة الهيكلة المصرفيّة، وتعديلات السرِّيَّة المصرفيّة)، لكنّه تجنَّبَ اتّخاذ خطوات حاسمة مثل التدقيق في حسابات المصارف، والرقابة على رأس المال، والتخطيط الماليّ. ولا يزال حقّ النقض الذي تمارسه المصارف، ومصرف لبنان، والأحزاب السياسيّة المتحالفة معه، سارية المفعول.

- إعادة الإعمار: على الرغم من تعيين لجنة وزاريّة، لم تحرز الحكومة أيّ تقدُّم جوهريّ في مجال إعادة الإعمار. ولا يوجد حتّى الآن إطار وطنيّ أو خارطة طريق للتنفيذ، ممّا يجعل الاستجابات محدودة ومجزّأة. وفي حين اكتملت، إلى حدّ كبير، عمليّة إزالة الأنقاض التي بدأت بعد أشهر من انتهاء الحرب، لم تخصّص الحكومة أيّ تمويل حكوميّ لإعادة الإعمار أو التعويضات.

- الحماية الاجتماعيّة: لا تزال الاستراتيجيّة الوطنيّة للحماية الاجتماعيّة (NSPS) مُهمَّشة. فقد مدَّدَ سلام برامج المساعدات المُموَّلة من المانحين والمُوجَّهة لمكافحة الفقر بدلًا من التحرُّك نحو تغطية شاملة قائمة على الحقوق. وهكذا يستمرُّ النظام الزبائنيّ للرعاية الاجتماعيّة، مدعومًا بتفضيلاتِ المانحين القاضيةِ بإدارة الأزمات الإنسانيّة لا إصلاحها.

باختصار، أعاد سلام تنشيط الآليّة التنفيذيّة ولكنّه لم يترجم النشاط بعد إلى إصلاح نظاميّ فعليّ. 

تُظهر الأيّام المئة الأولى من حكومة سلام أنّ لبنان لم يعد يعاني شللًا تامًّا في السلطة التنفيذيّة. فمجلس الوزراء يجتمع بانتظام، ويُصدِر المراسيم، ويستكمل بناء المؤسَّسات. وهذا أمر ليس بالهيِّن، وهذا ليس أمرًا هيّنًا. غير أنّ التفعيل لم يتحوّل بعدُ إلى إصلاح بنيويّ.

فلا تزال الجهات التي استخدمت حقّ النقض لفترة طويلة، من أجل عرقلة الإصلاحات، تتمتّع بنفوذ كبير. ذلك أنّ المصارف ومصرف لبنان يحميان المصالح الماليّة من أيّ اعتراف بالخسائر. ولا تزال عمليّة إعادة الإعمار مُعلَّقة، من دون وجود إستراتيجيّة أو تمويل قائم. ويحافظ الوسطاء الطائفيّون والجهات المانحة على نظام رعاية اجتماعيّة مُجزأ. وقد عمل سلام على التغلُّب على هذه القيود من دون مواجهتها مباشرةً.

يضع هذا الواقع لبنان عند مفترق طرق سياسيّ، مع ثلاثة مسارات مُحتمَلة:

1- إدارة نشِطة للجمود: يظلّ مجلس الوزراء فعّالًا، ويبقى الإنتاج مرتفعًا، لكنّ الإصلاحات سطحيّة. بهذا يحقّق لبنان حوكمة إجرائيّة، لكن من دون تغيير بنيويّ.

2- مواجهة إصلاحيّة: يستغلّ سلام شرعيّته لتحدّي الذين يمارسون حقّ النقض، ويدفع باتّجاه فرض ضوابط على الرساميل، ووضع إستراتيجيّة ماليّة، وخطط وطنيّة لإعادة الإعمار. وهذا ينطوي على مخاطر ارتدادات سياسيّة عنيفة، لكنّه قد يعيد توجيه مسار لبنان.

3- شروط يفرضها المانحون: تفرض الجهات الفاعلة الدوليّة شروطًا أكثر صرامة، ممّا يوجب إصلاحات انتقائيّة في القطاع المصرفيّ أو قطاع الطاقة. وقد يؤدّي ذلك إلى فتح باب التمويل، لكنّه ينطوي على مخاطر تعميق اللامساواة وإضعاف السيادة.

تشير الأيّام المئة الأولى إلى أنّ سلام أقرب إلى الجمود النشِط منه إلى الانقلاب الإصلاحيّ. وسوف يكون استعدادُه للتحوّلِ إلى مُصلحٍ يواجهُ المصالحَ المتجذّرة محدّدًا لإرثه السياسيّ، ولمسار لبنان نحو الخروج من أزمته.

 


From the same author

view all

More periodicals

view all
Search
Back to top