The Policy Initiative

  • eng
    • share
  • subscribe to our mailing list
    By subscribing to our mailing list you will be kept in the know of all our projects, activities and resources
    Thank you for subscribing to our mailing list.
06.16.22

مجتمعٌ ينهار: ضرورة ملحة لتوفير أرضية حماية اجتماعية

جورجيا داغر,
سامي زغيب

يعاني لبنان منذ العام 2019 من دوامة لا متناهية من التدهور، بعدما بدأت عملته الوطنية تفقد قيمتها بصورة مطّردة. وسرعان ما تحوّل التفاؤل الخاطف الذي جاءت به الانتفاضة في أواخر العام 2019 إلى ذكرى عابرة، نظراً لتدهور قيمة المداخيل والثروات من جرّاء الصدمة النقدية والأزمة الاقتصادية الحادة. وتلاشت معها المشاهد المفعمة بالأمل وصور الحشود التي تنشد وتطالب بالتغيير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الجذري، واجتاحت قصص وحكايات مأساوية لا تحصى شاشاتنا وإذاعاتنا – إذ ارتفع معدّل الفقر المتعدد الأبعاد إلى 82% في العام 2021، ومن المرجح أن يكون هذا المعدل شهد ارتفاعاً إضافياً منذ ذلك الحين1.

يبدو أنّ الطبقة الحاكمة في البلاد غافلة تماماً عن التبعات الاجتماعية لهذا الانهيار المالي، إلا عندما يتعلق الأمر بتدفقات العملات الصعبة من الخارج. ويبيّن التحليل الذي قمنا به أنّ سبعةً فقط من أصل تدابير الاستجابة الـ73 التي اتخذها البنك المركزي، ومجلس النواب والحكومة عالجت محنتنا الاجتماعية – من خلال تشريع برامج تحويلات نقدية لم تنفذ بعد على أرض الواقع2.  

تستوجب هذه الأزمة الاجتماعية المستنزفة للمواطنين الشروع فورًا في تنفيذ سياسة حماية اجتماعية طموحة تعالج نقاط الضعف والمشاكل التي تتفاقم بسرعة كبيرة. لن توفّر مثل هذه السياسة المساعدة اللازمة للمحافظة على رأس المال البشري في البلاد على المدى القريب فحسب، بل ستشكّل أيضاً جزءاً لا يتجزأ من عملية التعافي الاقتصادي.

واقع اجتماعي مرير

قبل الأزمة، كان لبنان بلدٌ يسود فيه تفاوت كبير بين المداخيل والثروات. فبين عامي 2005 و2016، حققت الشخصيات الأغنى في البلاد - الطبقة الأغنى ونسبتها 10% من إجمالي السكّان - "إيرادات تتراوح نسبتها بين 49 و54 في المئة من الدخل الوطني" في حين "حقق نسبة الـ50% الأفقر […] بين 12 و14 في المئة."3 كما توقّعت منظمة العمل الدولية أنّ الأزمة ستؤدي إلى تفاقم التفاوت في المداخيل وتعرّض مداخيل الجميع لمخاطر أكبر، لا سيما الأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة والمسنّين4. من جهة أخرى، اقتصرت نسبة السكان التي يغطّيها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وهو الهيئة الأساسية التي توفّر الحماية الاجتماعية في لبنان، على 23% من الشعب اللبناني في العام 2019.5

إزاء الارتفاع الجنوني في الأسعار، وتقلّص الموارد المالية وغياب برامج الحماية الاجتماعية الرسمية الملائمة، تلجأ غالبية الأسر إلى طرق خطيرة للتأقلم مع الواقع.

وبعد أن بات انهيار الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وشيكًا، بات الاعتناء بالصحة من الكماليات المتاحة لقلّةٍ قليلة من الناس، وبات عددٌ متزايدٌ من الأطفال محروم من خدمات الرعاية الصحية الأولية التي تشكّل حقّاً من حقوقهم الأساسية6. في الواقع، تتزايد نسبة الحاجات الغذائية الأولية للأطفال التي لا تتمّ تلبيتها يوماً بعد يوم، وقد سلّط تقرير أعدّ في منتصف العام 2021 الضوء على أنّ جميع الأسر في لبنان قد اعتمدت بشكل عام استراتيجيات سلبية للتأقلم مع الوضع الغذائي، وذلك "نتيجة عدم قدرتها على تحمّل كلفة المواد الغذائية الصحية"7. وعلى ضوء تداعي القطاع التعليمي، تتزايد معدلات تسرّب الأطفال من المدارس، إذ يجدون أنفسهم مضطرين إلى العمل8. وقد بات السفر والبحث عن فرص العمل في الخارج الخيار الوحيد الممكن بالنسبة إلى الكثيرين، على الرغم من العوائق والمخاطر التي تعتريه، وما الكارثة التي وقعت في طرابلس في نيسان 2022 إلى شاهد على ذلك.9

ينعكس هذا الواقع على نحوٍ أسوأ على الفئات الضعيفة، ومنها النساء واللاجئين وذوي الاحتياجات الخاصة والعاطلين عن العمل وذوي المهن الحرة والعاملين في الاقتصاد غير الرسمي، وهم يستفيدون بصورة أقلّ من باقي الفئات من برامج الحماية الاجتماعية نظراً إلى الاستثناءات الكبيرة في التغطية.10

نظام الحماية الاجتماعية في حالة فوضى

بالنسبة إلى المساعدات الاجتماعية، اقتصرت استجابة الحكومة اللبنانية لهذا الواقع الاجتماعي المرير على تقديم مقترحات شكّلت امتداداً للبرنامج القائم لمكافحة الفقر، والذي يوفّر مساعدات نقدية مباشرة إلى شريحة محدودة من الأسر التي صنّفت كأسر في حالة من الفقر المدقع. ولعلّ المقترح الأكثر تطوراً هو مشروع شبكة الأمان الاجتماعي في حالات الطوارئ المموّل بقرض من البنك الدولي بقيمة 246 مليون دولار أميركي. وعلى الرغم من مصادقة مجلس إدارة البنك الدولي على المشروع في شهر كانون الثاني من العام 2021،11 لم تنطلق عملية تسجيل الأسر فيه إلا في أواخر العام، وتحديداً في شهر كانون الأول12. وفي منتصف آذار 2022، بدأ توزيع المساعدات ضمن إطار المشروع، على ضوء استحقاق الانتخابات النيابية الذي كان يلوح في الأفق13

ومع أنّ برامج المساعدات النقدية تشكّل أداةً مهمة في إطار أي برنامج وطني للحماية الاجتماعية، إلا أنها تبقى غير ملائمة عندما يتمّ تطبيقها ضمن إطار يستهدف مكافحة الفقر، حيث أنها تتضمن أخطاءً كبرى على مستوى الاستثناءات ولا تطال إلا فئات محدودة للغاية.

أما على مستوى الحماية الاجتماعية، يعتبر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي على شفير الانهيار التام، نظرًا لتفاقم التحديات المؤسسية والإدارية والمالية التي يشهدها منذ زمن – خاصةً تلك التي تتعلق بدين الحكومة الكبير للصندوق. ومع ارتفاع تكاليف الاستشفاء والأدوية الأساسية، بات المستفيدون من تغطية الصندوق متروكين لأمرهم، من دون تغطية صحية فعلية أو وصول إلى تعويضات نهاية الخدمة14.

الحاجة إلى أرضية حماية اجتماعية

يعدّ نظام الحماية الاجتماعية القائم في لبنان إقصائيًا، إن كان ذلك في الظروف الطبيعية نسبياً أم في خضمّ الأزمة المستمرّة. في الحقيقة، شرائح متعددة من المجتمع محرومة من الحماية الاجتماعية، كالعمال الأجانب، والعاطلين عن العمل والعاملين في الاقتصاد غير الرسمي المجرّدين من تغطيات الصندوق، والمسنّين الذين ليس لديهم معاش تقاعدي، والفقراء الذين لا يستوفون الشروط الازمة للاستفادة من تقديمات مشروع شبكة الأمان الاجتماعي في حالات الطوارئ أو من برامج الإعانة الأخرى.

تستوجب حدّة الأزمة اعتماد استراتيجية اجتماعية تشمل الجميع وقائمة على الحقوق ولا تستثني أحداً. ويفترض أن توفّر هذه الاستراتيجية ضمانات أولية للحماية الاجتماعية، بحيث تحرص الدولة على ضمان وصول جميع من هم بحاجة إلى الأمان الصحي والمالي15. هذا هو بالتحديد ما يحتاج إليه لبنان، نموذج جديد يقوم على توفير "أرضية حماية اجتماعية"16، أي الضمانات والخدمات الاجتماعية الأساسية التي تصون الحقوق الاجتماعية. ويفترض أن يراعي هذا النموذج الاحتياجات والمصاعب المختلفة التي تواجه الأشخاص في مختلف مراحل حياتهم، وتقديم ضمانات أساسية للدخل وتغطية صحية شاملة لمختلف الفئات العمرية، من الطفولة إلى الشيخوخة.

إلى جانب الضمانات الأساسية الشاملة، كالوصول إلى الرعاية الصحية الأولية، يجب أن يشمل نموذج أرضية الحماية الاجتماعية مزايا أساسية تغطي كافة مراحل دورة الحياة، ومنها مزايا الأمومة، والإعاقة، والبطالة، والمعاشات التقاعدية لكبار السنّ. وسيتيح ذلك إعادة هيكلة جذرية للصندوق على المستويين الإداري والمالي وتحويل تقديمات نهاية الخدمة التي يوفّرها إلى نظام تقاعدي. وتشكلّ المساعدات المالية المقدمة في إطار البرامج التي تكافح الفقر، كالبرنامج الوطني لدعم الأسر الأكثر فقراً، جزءاً من الاستراتيجية الشاملة للحماية الاجتماعية وليست جوهر هذه الاستراتيجية، وهي توفّر دعماً إضافياً للأسر التي لا تزال دون المستوى المعيشي الأدنى المحدّد.

في ظلّ التدهور المستمرّ للظروف المعيشية، يمكن لأرضية الحماية الاجتماعية صون جميع الأشخاص الذين يواجهون صعوبات حياتية من خلال إمدادهم بالأمن الصحي وضمان دخل لهم، كما يمكن أن تحول دون انزلاق الأسر تحت خط الفقر17. فيما تعتبر هذه الخطّة أكثر طموحاً وكلفةً من نظام الحماية الحالي المتشرذم ومن الإعانات المتناقصة وغير المستدامة التي لطالما اعتمد عليها لبنان، من الضروري الشروع بتنفيذها لتعزيز صمود المواطنين. أما على المدى الطويل، فستبرز فعاليتها أكثر على مستوى مكافحة الفقر وستطال كافة شرائح المجتمع وستؤدي إلى شمول اقتصادي واجتماعي.

من ناحية أخرى، يوفّر الحثّ على اعتماد أرضية للحماية الاجتماعية في الخطاب العام في ظلّ هذه الأزمة المتفاقمة فرصةً للانتقال من مبدأ "الرعاية الاجتماعية القائمة على أساس طائفي" إلى نظام للمخصصات قائم على أساس الحقوق ويطال الجميع دون استثناء، خاصةً بعد تجلّي ضعف نظام الحماية الاجتماعية المعتمد.

عوض الاعتماد على القروض الخارجية، سيتمّ تمويل نموذج الحماية الاجتماعية هذا عبر تعزيز الامتثال الضريبي، واعتماد الضرائب التصاعدية، وفرض ضرائب على الثروات حتّى، وهي إجراءات لطالما كانت بعيدة المنال بالنسبة إلى لبنان.18

التطلّع إلى المستقبل

إنّ الأزمة الاجتماعية وآليات التأقلم السلبية التي لجأ إليها المواطنون تدمّر المجتمع، وخاصةً الشباب. ومع اضطرار الأسر إلى تخفيض مصاريفها والمبالغ التي تخصصها للرعاية الصحية والتعليم والغذاء، لا بدّ للحكومة اللبنانية من تحصين وحماية مواطنيها والمقيمين على أراضيها، ورأس المال البشري في البلاد بشكل عام.

لن يتطلب تعافي الاقتصاد اللبناني خطة تعافي مالية على مستوى الاقتصاد الكلي توزّع خسائر القطاع المالي بطريقة عادلة ومسؤولة فحسب، بل إلى خطة تعافي اجتماعية أيضاً. وفي حين أنّ البلاد لم تعد تستطيع المضي قدماً من دون خطة إنقاذية من صندوق النقد الدولي، لن تكون مثل هذه الخطة وأي تدابير مالية تقضي باتخاذها كافيةً لبناء اقتصاد مستدام وعادل وشامل.  

يتقدّم الكاتبان بالشكر إلى كلٍّ من سيتنيا الصغير وكريم مرهج على مساهمتهما في هذا المقال.

 


1 الأمم المتحدة – الإسكوا. 2021. " الفقر المتعدد الأبعاد في لبنان (2019-2021): واقع أليم وآفاق مبهمة".

2 مبادرة سياسات الغد. 2022. "الأزمة المالية: خط زمني للاستجابات والتصاريح والأحداث

3 ليديا أسود. 2021. "اقتصاد لبنان السياسي: من مفترس إلى متآكل". مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط.

4 منظمة العمل الدولية. 2021. "تقييم مكامن ضعف وفجوات الحماية الاجتماعية – لبنان: تحليل البيانات الجزئية بناءً على نتائج استبيان حول الظروف المعيشية للقوى العاملة والأسر 2018/2019

5 منظمة العمل الدولية. 2020. "توسيع إطار الحماية الصحية والاجتماعية في لبنان: دور الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في توفير تغطية صحية للجميع

6 يونيسف. 2021. "البقاء على قيد الحياة بدون أساسيات العيش: تفاقم تأثيرات الأزمة اللبنانية على الأطفال".

7 منظمة AVSI. 2021. "تقييم احتياجات التعليم السريع.

8 يونيسف. 2021. "البقاء على قيد الحياة بدون أساسيات العيش: تفاقم تأثيرات الأزمة اللبنانية على الأطفال".

9 الجزيرة. 2022. "وفاة 6 أشخاص وإنقاذ 48 إثر غرق زورق للمهاجرين قبالة الشاطئ اللبناني".

10 منظمة العمل الدولية. 2021. "تقييم مكامن ضعف وفجوات الحماية الاجتماعية – لبنان: تحليل البيانات الجزئية بناءً على نتائج استبيان حول الظروف المعيشية للقوى العاملة والأسر 2018/2019".

11 البنك الدولي، 2021. "246 مليون دولار أميركي لدعم الأسر اللبنانية الفقيرة والأكثر احتياجاً وبناء نظام شبكة الأمان الاجتماعي".

12 لوريان توداي، 2021. "تسجّل أكثر من 30,000 شخص للحصول على البطاقة في إطار المشروع الطارئ لدعم شبكة الأمان الاجتماعي منذ اليوم الأول".

13 البنك الدولي، 2022. "لبنان يعلن عن البدء بدفع التحويلات النقدية للأسر اللبنانية الأكثر فقراً ضمن برنامج "أمان"".

14 ك. مرهج وك. شهيب، 2022. "القصة الكاملة وراء الانهيار الوشيك للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي". موقع The Public Source.

15 منظمة العمل الدولية. 2012. التقرير رقم 202 -  توصية حول أرضية الحماية الاجتماعية 2021 (رقم 202).

16 منظمة العمل الدولية، يونيسف. 2021. " نحو أرضية حماية اجتماعية في لبنان".

17 منظمة العمل الدولية، 2021. ". "تقييم مكامن ضعف وفجوات الحماية الاجتماعية – لبنان: تحليل  البيانات الجزئية بناءً على نتائج استبيان حول الظروف المعيشية للقوى العاملة والأسر 2018/2019".

18 مبادرة الإصلاح العربي، 2021. "ما هي السياسات الضريبية التي ينبغي اعتمادها في لبنان؟ دروس من الماضي لمواجهة تحديات المستقبل".

From the same author

view all

More periodicals

view all
Search
Back to top