The Policy Initiative

  • eng
    • share
  • subscribe to our mailing list
    By subscribing to our mailing list you will be kept in the know of all our projects, activities and resources
    Thank you for subscribing to our mailing list.
08.24.26

بيان حول قانون العفو العام: لهذه الأسباب نطلب رده وإلّا إبطاله

المفكرة القانونية,
مبادرة سياسات الغد

أقرّ مجلس النواب في تاريخ 13 آب 2026 اقتراح قانون للعفو العامّ، مؤدّاه منح عفو عام شبه شامل وغير مشروط عن كمّ هائل من الجرائم، في مقدمتها جرائم الفساد في القطاعين العام والخاص التي أدّت إلى تدمير المجتمع وتفقيره. والواقع أنّ هذا القانون انبنى على مجموعةٍ من المخالفات الدستوريّة الجسيمة والمنافية للمصلحة الوطنيّة. وعند مراجعة صيغته النهائيّة كما أُرسلت إلى رئاسة الجمهوريّة من أجل إصداره، يتبيّن أنّها احتوت علاوة على ذلك تزويرًا فاقعًا للإرادة العامة. هذه هي المخالفات التي نفصّلها أدناه أملًا في ردّه من رئاسة الجمهورية وإلا إبطاله من قبل المجلس الدستوري. وإليكم تفصيلٌ لأخطر المخالفات:

1. مبدئيّة العفو العام واستثنائيّة المحاسبة

أوّل ما نتوقّف عنده هو قلب القاعدة الدستورية القائمة على المساواة أمام القانون والتي تفترض أن تكون المحاسبة هي المبدأ والعفو العام هو الاستثناء وفقط عند الضرورة. وهذا ما نقرأه في المادة الأولى من النص الذي تمّ إقراره، حيث جاء أنّ الجرائم بما فيها الجنايات تكون معفاة إلّا ما تمّ استثناؤه صراحة. ومؤدى ذلك العفو عن جرائم عدة من دون حتى البوح بذلك، مع حفظ إمكانية التبرّؤ من منحها العفو بحجّة أنّها سقطت سهوًا. وما يزيد من قابليّة الأمر للانتقاد هو أنّ العديد من الاستثناءات قد وردت بصورةٍ مبهمة وغامضة كما نبيّن أدناه، الأمر الذي يمكّن أيّ مدعى عليه من استغلال هذا الإبهام لادّعاء استفادته من مبدئيّة العفو العامّ وتاليًا إغراق قضيته في متاهة الدفوع الشكلية لسنوات طويلة قبل أن يتسنّى للمحكمة المختصة حتى التحقيق في وقائع الجرائم المنسوبة إليه. ومن أخطر انعكاسات هذه المبدئية، شمول العفو مجموعة من الجرائم ضدّ الإنسانية وجرائم الحرب المرتكبة في الجنوب (تدمير البيوت والقرى)، طالما أنّه لم يقع استثناؤها.   

2. الخداع والتضليل

تميّز مسار هذا النصّ باعتماد مجموعة من الأساليب الخادعة والمضلّلة. فلئن أوحتْ أسبابه الموجبة أنّه ينحصر في معالجة اكتظاظ السّجون وطول أمد التوقيف الاحتياطيّ، مع التركيز على فئة المحكومين والموقوفين الإسلاميين، فإنّ العفو العام جاء شبه شامل لجرائم منها جرائم ما تزال بمنأى عن أي ملاحقة ولا يوجد فيها أيّ موقوف. التضليل نفسه نلمحه في صياغة الاستثناءات من العفو التي تؤدي إلى مفاعيل معاكسة لما يوحي به ظاهرها. هذا ما نتبيّنه بشكل خاصّ من خلال استثناء الجرائم المصرفية أو جرائم الإثراء غير المشروع أو حتى الجرائم البيئية كما نبيّن أدناه.

3. تزوير الإرادة العامة

عند مقارنة نسخة اقتراح القانون كما وزعت على الهيئة العامة للنوّاب بنسخته النهائيّة المرسلة بهدف إصدار القانون، يتبيّن حصول تعديلات جوهرية على قائمة الاستثناءات، مؤدّاها قلب وجهة الاقتراح بصورة تامّة في جوانب عدّة. الحالتان الأكثر تعبيرًا تتّصلان بجرائم الفساد في القطاع العام والإثراء غير المشروع. ففيما ورد في النسخة الموزّعة على النواب استثناء هذه الجرائم كلها من العفو العام، طار هذا الاستثناء في النسخة الأخيرة ليشمل العفو العام من حيث المبدأ جميع هذه الجرائم. وفيما ورد في النسخة الموزعة على النوّاب استثناء جميع حالات الإثراء غير المشروع، تم تضييق هذا الاستثناء في حالات الاختلاس، على نحو يمنع عمليًا طرح سؤال “من أين لك هذا؟” وقد تمّ ذلك في الكواليس، بما يشكل تزويرًا بيّنًا للإرادة العامة.

4. العفو الذاتي عن 35 سنة من الصفقات وسوء إدارة المال العامّ

كما انتهى قانون 1991 إلى إعفاء السلطة الحاكمة نفسها من خلال العفو عن جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانيّة المرتكبة في حرب 1975-1990، يؤدّي قانون 2026 عمليًا إلى تبييض 35 سنة من الفساد أدت إلى تفقير المجتمع ونهبه، والآن أيضًا من دون أي شرط. يتحصّل ذلك من منح عفو شامل لجرائم الفساد باستثناء جرائم الاختلاس والاعتداء المباشر على المال العام، أي ما يصطلح على تسميته الجرائم البدائية التي يصعب أن يرتكبها أي مسؤول لديه الحدّ الأدنى من المكانة والنباهة والفطنة. ومن شأن ذلك أن يؤدّي إلى إعفاء أغلب حالات الفساد الحاصلة بنتيجة الرشوة والعمولات والابتزاز وصرف النفوذ وخصوصاً في عقود التلزيمات أو الإشراف على تنفيذها أو سوء إدارة المال العام (مثلًا: ملاحقة الوزيرين السابقين جورج بوشكيان وأمين سلام). وينعكس هذا العفو عفوًا ليس فقط عن المسؤولين العموميين، بل عن كلّ الجهات التي استفادت من هذه الصفقات وهدر المال العام (مثلًا: كلّ الذين تورّطوا في تسليم الفيول المغشوش أو في صفقات الكهرباء أو في سوء تنفيذ شبكات الصرف الصحّي ومحطّاته…).

5. عفو جريمة "من أين لك هذا"

خلافًا لما يُوحي به النص، فإنّ الصياغة المعتمّدة لاستثناء جرائم الإثراء غير المشروع تؤدي إلى إعفائها أكثر مما تؤدّي إلى استثنائها. فمن جهة أولى، استثناء جرائم الإثراء غير المشروع الواردة في قانون 189/2020 يعني منح العفو لأي إثراء غير مشروع حصل قبل صدوره، وضمنًا الإثراء الحاصل قبل الانهيار. فضلًا عن ذلك، حصر الاستثناء الملاحقة بالإثراء الحاصل نتيجة اختلاس المال العام وسرقته، بما يؤدي عمليًا إلى إعفاء أغلب حالات الإثراء الحاصلة بنتيجة أفعال الفساد الأخرى مثل الأفعال المشار إليها أعلاه. وبنتيجة ذلك، يصبح العفو العامّ بمثابة أداة لتبييض المال والثراء وإسكات كلّ من يتوسّل معرفة "من أين لهذا المسؤول أو ذاك هذا".

6. عفو عن الجرائم المصرفية

إذ يوحي النصّ هنا أيضًا أنّ الجرائم المصرفيّة مُستثناة من العفو، فإنّ التّدقيق في هذا الاستثناء يكشف أنّه يؤدّي عمليًا إلى إعفاء هذه الجرائم وتقييد أي ملاحقة لها، أكثر ممّا يؤدّي إلى استثنائها من العفو. فمن جهة أولى، يقتصر هذا الاستثناء على جرائم قانون النقد والتسليف والجرائم المنصوص عليها في القوانين والأنظمة المتعلّقة بالمصارف. ويُفهم من ذلك أنّ مجمل الجرائم المُرتكبة من المصارف والتي لم يلحظها الاستثناء تكون معفاة، وضمنًا الجرائم المنصوص عنها في القوانين العامّة مثل قانون العقوبات. وندرك خطورة هذا التوجّه حين نعلم أنّ مجمل جرائم النقد والتسليف هي جرائم لا تتعدّى عقوبتُها في معظم الحالات الغرامة أو الحبس لفترات قصيرة، وهي تبقى قاصرة عن ضمان مُحاسبة متناسبة للتواطؤ الحاصل في إطار الهندسات المالية والتي تجد سندها في القوانين العامة التي جرى استبعادها. أمر آخر يجدر التنبيه إليه وهو أنّ حصر الاستثناء بجرائم النقد والتسليف إنّما يؤدّي إلى إخضاع عملية المحاسبة لإرادة المصرف المركزي الذي له وحده طلب الملاحقة بشأنها، عملًا بالمادة 206 من قانون النقد والتّسليف. وقد تعزّز هذا التوجّه مع إغلاق باب الادعاء بتبييض الأموال صراحة في أيّ من الجرائم المصرفيّة أو الجرائم المتّصلة بالمودعين.

7. عفو عن جرائم "تخزين المواد المدعومة" وتهريبها

خلال سنتي ما بعد الأزمة، استفادت حفنةٌ من التجار من “الدولار المدعوم” لاستيراد سلع حياتيّة من أجل  توزيعها في السوق. لكن ما حصل عمليًّا أنّ عددًا من هؤلاء عمدُوا إلى تهريب المواد المدعومة أو تخزينها من أجل بيعها في سعر السّوق بعد زوال الدعم، مما مكّنهم من تحقيق ثروات طائلة. هذه الجرائم التي أزهقت جزءًا من الثروة الوطنية وزجّت اللبنانيين في طوابير الذلّ، لقيت هي الأخرى رحمة العفو العامّ، طالما أنّه لم يستثنِها صراحة منّه وأنه حصر استثناء الإثراء غير المشروع بحالات الاختلاس.

8. محدودية استثناء جرم تبييض الأموال بعد إعفاء الجرائم المنتجة للأموال غير المشروعة "المبيضة"

استثنى النصّ الجرائم المنصوص عنها في قانون مكافحة تبييض الأموال من العفو العام، وإن عاد وأعفى صراحة عددًا من الجرائم من جرم تبييض الأموال مثل جرائم الرشوة والجرائم المصرفية. إلّا أنّ هذا الاستثناء يبقى محدودًا بفعل صعوبة إثبات تبييض الأموال في ظل شمول العفو معظم الجرائم التي تنتج عنها الأموال غير المشروعة المدّعى تبييضها (مثال على ذلك: جرائم الفساد وجرائم الإثراء غير المشروع وجرائم المخدرات).

9. عفو عن الجرائم البيئية وتدمير الثروات الطبيعية

استثنى النص “الجرائم البيئيّة المنصوص عنها في قانون حماية البيئة رقم 444/2002” فضلًا عن الجرائم الواردة في “النصوص ذات الصلة”. إلّا أنّ التدقيق في هذا الاستثناء يظهر أنّه يؤدي هنا أيضًا إلى إعفاء جرائم بيئية أكثر مما يؤدي إلى استثنائها. فحصر الاستثناء بالجرائم الواردة في قانون حماية البيئة، إنّما يعني عمليًا إعفاء مجمل الجرائم الأكثر خطورة والتي لم تذكر فيه. ومن أخطر الجرائم التي قد يشملها العفو، الجرائم المنصوص عنها في مرسوم تنظيم المقالع والكسارات رقم 8803/2002 وهي الجرائم التي دمّرت ما يقارب 15 كلم مربعاً من الأراضي اللبنانية، وأيضًا الجرائم الواردة في قوانين الغابات والأحراش والمحميات الطبيعية وأيضًا قوانين المياه والهواء وما إلى ذلك من قوانين تهدف إلى حماية الإرث الطبيعي في زمن الإبادة البيئية التي يشهدها الجنوب.

10. العفو المعمّم عن مافيات المخدرات

يستثني النص جرائم المخدرات في حال ثبوت التكرار أكثر من مرتين. إلّا أنّ شرط  التكرار هو شرط مستعصٍ لا يتوفر إلّا في حالاتٍ نادرة جدًّا. فالتكرار يشترط أن يكون الفعل موضوع المحاكمة قد ارتكب خلال 7 سنوات من انقضاء العقوبة المحكوم بها بموجب حكم مبرم أو مرور الزمن عليها، وهو شرط ينتفي في حال معظم المحكوم عليهم غيابيًّا طالما أنّ الأحكام الغيابيّة غير مبرمة (وهي عمومًا حالات كبار التجار ورؤساء العصابات المنخرطة في هذه التجارة). وعليه، يبدو هذا الشرط مجرّد خدعة إضافية.

11. العفو عن أشخاص بذاتهم (عائلات العملاء) بمعزل عن الجرائم المرتكبة منهم

استثنى النص “جرائم الخيانة والتجسس والجرائم المتعلقة بالصّلات غير المشروعة بالعدو باستثناء المشمولين بالفقرة 2 من المادة الوحيدة من القانون رقم 194 الذين يعتبرون حكمًا مستفيدين من القانون الحالي”، وهم عائلات العملاء الذين فروا من لبنان تبعا لتحرير 2000. والإشكال يتأتّى هنا من أنّ القانون منح هؤلاء عفوًا تامًّا عن أيّ من هذه الجرائم، من دون التنبّه إلى وجوب التثبت من عدم انخراط أي منهم في أيّ حين في الجيش الإسرائيلي أو ارتكابهم جرائم حرب في لبنان أو التنازل عن الجنسية الإسرائيلية التي قد يكونون قد اكتسبوها. ويتعارض هذا العفو العام مع مبدأ المساواة أمام القانون طالما أنّه  يؤدي إلى منح امتياز العفو لأشخاص بعينهم وليس عن جرائم معيّنة.

12. العفو المخفّف لا يميّز أحدًا

لا تتوقّف أهمية القانون عند ما يشمله العفو العام أو يستثنيه، بل أيضًا عند ما تضمّنه من تخفيضٍ لعقوبات الجرائم المُستثناة من العفو ومنها الجرائم الأكثر خطورة مثل القتل والإرهاب وهو بمثابة العفو المخفّف. وقد انتهى النص عمليًا تبعًا لإقرار قانون الإعدام، إلى تخفيض عقوبتي الإعدام والمؤبّد إلى 17 سنة سجنية (أي 12 سنة و9 أشهر فعلية) ومجمل العقوبات الأخرى بمقدار الثلث. وعليه، يكون المشرّع هنا أيضًا قد وقع في فخّ التّعميم من خلال منح “تخفيض العقوبات” لجميع المحكوم عليهم، من دون أن يكون له الشّجاعة الكافية للنّظر في خصوصية الحالات التي قد يستوجب التدخّل التشريعي لتخفيض العقوبات المحكوم بها فيها. وهكذا، وبفعل التعميم الحاصل، سنرى جموع المدانين بجرائم مقززة يتحرّرون الواحد تلو الآخر من العقوبات التي حكموا بها ويعودون إلى الحرية، بما يعزز مشهدية الإفلات المعمّم من العقاب.

13. تجريد الدولة من أسلحتها لاستعادة أموالها المنهوبة

أمام ما يشمله العفو العام من جرائم أزهقت مليارات الدولارات، يخشى أن تفقد الدولة ومعها النيابة العامة أحد أهم أسلحتها أي عصا العقوبات الجزائية لاسترداد أموالها المنهوبة. ومؤدّى ذلك تمكين القلّة من التمتع بثروات نهبتها من الشعب برمّته.

وعليه، وأمام كارثية هذا القانون وما شابه من خداع وتزوير، نطالب:

- رئيس الجمهورية، بممارسة صلاحيّته في ردّ القانون على أن يتضمّن مرسوم الردّ التأكيد على مبدئية المحاسبة وعدم جواز المسّ بحقوق الدولة والمجتمع وحصر القانون في مسائل معالجة أوضاع الموقوفين واكتظاظ السجون،

- الكتل النيابية الرافضة لهذا القانون بتقديم طعن عليه على أن يترافق مع  التزام من الأكاديميين والمنظمات الحقوقية بالانخراط في تقييم دستورية هذا القانون وتزويد المجلس الدستوري بآرائهم حوله.

دفعنا غاليًا ثمن العفو العام الذي حصل في 1991 ومن حقّ المجتمع علينا أن نقاوم ونمانع بهدف تعزيز مناعته في وجه الناهب والقاتل تمهيدًا لإنصافه.


From the same author

view all

More periodicals

view all
Search
Back to top