The Policy Initiative

  • eng
    • share
  • subscribe to our mailing list
    By subscribing to our mailing list you will be kept in the know of all our projects, activities and resources
    Thank you for subscribing to our mailing list.
06.16.26

هكذا تعاملت السّلطة مع تعدّيات شاطئ البترون المستمرّة

أماني البعيني

"نحنا بشبه دولة، الوضع مأساوي، على عينك يا تاجر الحرامي بيسرق بمشاركة ممثلي مؤسسات الدولة وبتواطئهم، والقانون بخبر كان، رغم أنه كله بيحكيكي بدولة القانون وكلو كذاب." بهذه العبارة يوجز محمد أيوب رئيس جمعية نحن خيبته من تخاذل الإدارات، على وقع افتتاح منتجع Oursin Batroun السياحيّ، الذي لا زال القضاء ناظرا في شكاوى تجاوزاته، والإدارة لم تصدر بعد أي مرسوم لمعالجة تعدياته، إن صحّت معالجتها.

بعد صدور قرار هدم وإزالة جميع مخالفات شركة آزور بلو Azure Blue، بتاريخ 8 حزيران 2023، وقد شكّل يومها انتصارا للناشطين البيئين ولحملة "الشط لكل الناس" في معاركهم لاسترداد الشاطئ العام، يبدو أن المعتدي قد ارتضى إزالة بعضها، مع الإبقاء على تعدّيات جسيمة، بل وعمد إلى توسيع مخالفات أخرى لعلّ جميعها يُشرعن تحت غطاء قانون المعالجة. وكان قد أعلن اليوم الجمعة 12 حزيران 2026 موعدًا لافتتاح منتجعه السياحي تحت اسم Oursin Batroun بغياب أي مرسوم لإشغال الأملاك البحرية أو مرسوم لمعالجة الإشغال الحاصل من دون مرسوم.

وإثر رصد موجات الغضب والاحتجاجات التي تزامنت ومراحل بناء المشروع، حاولت المفكّرة القانونية، أن تتواصل مع رمزي جورج يزبك صاحب المشروع، للوقوف عند ما تمّ إزالته وطبيعة الأعمال التي كانت لا تزال جارية. إلا أن الأخير اكتفى بالإشارة إلى أنه سوّى ملف التعديات مع الإدارة وأنه يدفع الغرامات المتوجبة عليه قانونا، طالبا إنهاء المكالمة لكونه في اجتماع.

أمام محاولات يزبك العديدة بفرض أمر واقع على شاطئ تحوم، نظّمت حملة "الشط لكل الناس" العديد من الحملات الإلكترونية والتحركات الإدارية والقضائية وحتى الشعبية من أمام شاطئ البترون المغتصب وعلى مسامع السلطات المحلية والمركزية لوقف الانتهاكات والمطالبة بالمساءلة والمحاسبة.

وحصل أن احتجّ الرأي العامّ البيئيّ، إزاء التجاوزات المرتكبة والموثّقة بمحاضر كشوفات الإدارة نفسها، خاصة بعد فضيحة عدم صحة البيانات التي رفعها رمزي يزبك للإدارة، في معرض طلب معالجة التعديات، ومن بينها التعديات التي ارتكبها ما بعد العام 1994، وبالتالي غير القابلة للمعالجة قانونا.

وما لا يقلّ خطورة عن "تسليع الشاطئ" كان أداء الإدارة وتعاملها مع "التزوير" الذي وصّفه أحد الناشطين" بما "لا يقل خطورة عن التعديات نفسها": "يظهر أن الدولة باعت الشط ومعه تطبيق القوانين. ففي الوقت الذي كنا نتوقّع من الإدارة ملاحقة المعتدي بجرم التزوير، ارتضت التقاعس عن المحاسبة وعزمت على تعديل بيانات ملفه والاكتفاء بجمع غرامات ودولارات إضافية للخزينة"، وفق ما أثاره أحد الناشطين في حديثه للمفكّرة.

نستعرض في هذا التحقيق، سلسلة التعديات الموثّقة، والتي ارتكبت تحت جنح "غضّ النظر" وبغطاء رخص الصّيانة التي حوّلت الخيمة غير الثابتة إلى منتجع سياحي ومطعم ومسابح. وسنسلّط الضّوء على التباين والتناقض الذي وثّقته الإدارة ما بين بيانات طلب المعالجة والتعدّيات الفعلية على أرض الواقع، كنموذج مثبت بالوثائق وقد لا يكون الوحيد، حول سبل استغلال قانون معالجة التعديات من أجل ارتكاب التعدّيات أو الإمعان بها، وكدليل إضافي على نهج الإدارات المتعاقبة، الذي يبدو حريصا حتى الساعة، على ضخّ أموال إضافية للخزينة، أكثر من استرداد شاطئ العموم ومحاسبة مرتكبي التعديات.

وقبل المضي في تفنيد سلسلة التعديات الموثّقة وحيثيات قرار الإزالة والهدم، وما استتبعه من أعمال في المشروع، لا بدّ من طرح سؤال حول مدى صحة وواقعية البيانات التي يتقدّم بها المعتدون على الأملاك العامة البحرية، لغاية معالجة تجاوزاتهم، والتي فرضت على أساسها الإدارة غراماتها المتوجّبة، وتستوفيها، ومدى خطورة استغلال مرتكبي "تعديات ما بعد الـ 94" لقانون المعالجة. وذلك نظراً لغياب مسح حديث وشامل ودقيق للأملاك العمومية البحرية، وفي ظلّ افتقار مصلحة الأملاك البحرية في وزارة الأشغال، للفرق الهندسية المتخصصة ودوائر مساحة والبرامج الإلكترونية المتطوّرة القادرة على التثبت من طبيعة التعديات وحجمها وتاريخ وقوعها، والتي تشكّل عناصر وشروط جوهرية لإمكانية المعالجة أو عدمها، ولقيمة الغرامات المتوجّبة.

ماذا نعرف عن تعدّيات يزبك؟


يشرح محمد أيوب، للمفكّرة القانونيّة القصّة: "باختصار، رمزي يزبك اشترى الأرض، التي سبق وشيّد عليها بناء غير قابل للمعالجة، وصادر قرار قضائي بهدمه سابقا، لكونه يقع في نطاق التراجعات عن الأملاك العامة البرية من جهة والبحرية من جهة أخرى. وبالتالي العقار الذي حوله اليوم رمزي إلى منتجع كان عبارة عن أرض مع تعدي ردم فقط، حاصل قبل العام 94."

ويلفت أيوب إلى أن الخطير في الأمر، أنه وبعد شراء الأرض وصدور قانون التسوية (المقصود قانون معالجة التعديات 64/2017)، عمد يزبك إلى تركيب خيمة وهميّة، عبارة عن عددٍ من صفائح الحديد وغطّاها بالقشّ، مدّعيا ومزوّرا بالتقارير أن هذه الخيمة تعود لما قبل التسعينات، للإفادة من القانون وشرعنة تعدياته.

وعليه، أمعن رمزي يزبك في ارتكاب التعديات على شاطئ تحوم، على مدار السنوات الأخيرة، وبعد أن عرقله قرار الإزالة والهدم الصادر عن الوزير علي حمية وأوقف مشروعه، عاد واستغلّ يزبك السنة الفائتة اندلاع الحرب، ليزيل بعض التعديات ويتوسّع بأخرى، معدّلا في معالم مشروعه عوض إزالته.

وعلى وقع الأعمال الجارية التي أخذت تنهش شاطئ تحوم وتشوّه معالمه الطبيعية، تزايد زخم التحركات والاحتجاجات منذ العام 2023، وحتى يومنا هذا، مستنكرة تعديات شركة "آزور بلو (Oursin)، المرتكبة بغياب أي مرسوم استثمار للأملاك البحرية.

رخص الصيانة: أرضية للتعدي ببناء المنتجعات السياحية


ويتبدّى من متابعة تفاصيل هذه القضية، أن يزبك حاول أن يثبّت مخالفاته العديدة بالباطون ليفرض أمرًا واقعًا، متذرّعًا برخصة الصيانة التي منحه إياها الوزير السابق يوسف فينيانوس، وإن كانت غير قانونيّة، لبناء المنتجع السياحي المنشود عليها. علما أن هذه الرخص الوزاريّة، تخلّ بالنظام القانوني لإشغال الأملاك العامة البحرية واستثمارها، الواضح لجهة اشتراط صدور مرسوم إشغال وفق الأصول.

كل ذلك تمّ، خلافًا لمضمون رخصة الصّيانة الممنوحة له عام 2019، والتي تمّ تمديدها عام 2022، إذ حرّمت بشروطها استخدام الباطون في تثبيت أيّ إنشاءات، وأنها حصرت الاستعمال على المواد القابلة للتفكيك وغير الثابتة، بالإضافة إلى اشتراطها صراحة عدم التعدّي على الأملاك العمومية البحرية.

وعليه، تعقّبت "جمعية نحن" التعديات الجسيمة وفنّدتها بالصور والمستندات الرسمية، خاصّة إثر تمادي يزبك بالتجاوزات على مرأى من السلطات، ضاربًا عرض الحائط كل النصوص القانونية الناظمة. وفي هذا المجال، يشرح أيوب كيف تقدّم يزبك بطلب معالجة لتعدّيات غير قابلة للتسوية، لوقوعها ما بعد العام 1994، وكيف ادّعى بأن تعدّيه يعود لما قبل ال 94، بتزوير التقارير والحقائق بإنشاء خيمة وهمية للإفادة من قانون التسوية.

وعن خطورة رخص الصيانة، يشرح أيوب للمفكّرة، كيف استحصل يزبك على رخصة صيانة، وبفعلها تحوّلت "الخيمة المبتدعة" إلى "منتجع سياحي قائم على كامل مساحة الأرض. منها شاليهات للسكن ومطعم وبرك سباحة.. كما تم ردم البحر بغياب أي مرسوم يجيز اشغال الاملاك البحرية".

واللائحة تطول وفق أيوب، حيث لم يخالف يزبك نظام إشغال الأملاك البحرية وحسب، بل خالف شروط رخصة الصيانة "غير القانونيّة" التي منحت له، إذ اشترطت عدم استخدام الباطون، في حين استخدمه يزبك لتثبيت كل إنشاءاته. وتوضح تفاصيل الملف الذي وثّقته جمعية نحن بالتعاون مع حملة الشط لكل الناس والبيئيين، كيف عمد يزبك الى هدم مبنى وإعادة إعماره مع إضافة 5 أمتار عرض و15 طول، دون رخص قانونية، وكيف كان ركّز بنغالوهات، بعد ردم البحر وجلب الصخور إليه، وعملية صبّه بالإسمنت. وبناء مسبحين وإقامة سنسول.

وعليه، يستنكر أيوب التناقض فيما بين مضمون الرخص والأعمال على أرض الواقع، مشيرا إلى أنه حصل في ظل تزوير وتواطئ وصمت مريب من السلطات المختصة وبلدية تحوم ومفرزة الشواطئ.

الحراك البيئي يستحصل على كشف فني فاضح وقرار بالهدم

تنديدًا بالتعديات الجسيمة، تحرّكت جمعيّة "نحن" وحملة الشطّ لكلّ الناس وسجّلت، لدى وزارة البيئة شكوى أولى بتاريخ 15 أيار 2023، تبعتْها شكوى ثانية بتاريخ 30 أيار من العام نفسه، حول أعمال بناء مخالفة وتعديات على الأملاك العامة البحرية في تحوم.

الأمر الذي دفع بوزير البيئة آنذاك، ناصر ياسين بالطلب إلى النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات التّحقيق في التّعديات والمخالفات الحاصلة على الأملاك العمومية البحرية وأخذ كل الإجراءات القانونية اللازمة بحقّ كلّ مسؤول.

وفي السياق نفسه، تقدّمت جمعيّة نحن بشكوى لدى وزير الأشغال العامة والنقل علي حمية تطالبه بإصدار قرار هدم وإزالة للتعدّيات. الأمر الذي استتبع إرسال فريق هندسيّ من وزارة الأشغال للقيام بالكشف الفنّي على الأعمال الجارية. وعلى ضوء ذلك الكشف الحاصل بتاريخ 6 حزيران 2023، وثّقت الإدارة وجود مخالفات وأعمال ضمن الأملاك العامة البحرية تجاه العقاريين 177 و 202 من منطقة تحوم. وأشار كتاب وزير الأشغال يومها، إلى وجود أعمال باطون في العقار الخاص والأملاك البحرية "من أدراج وحوائط وبركة سباحة ومسطحات دون أخذ موافقة الجهات المعنية (تنظيم مدني وبلدية).

وفي سياق مقابل لا يقلّ خطورة، أتتْ نتائج الكشف لتثبت ما كان مرتقبا ولتفضح التّزوير "المستور" والحاصل في المساحات المقدّمة من يزبك إلى المديرية العامة للنقل البري والبحري، "والتي خضعت للتسوية (عام 2019)". حيث أثبت كتاب الوزير حمية وجود "تعارض وتناقض في المساحات، بين الخرائط المقدّمة من يزبك (والبالغة 846 م.م والتي تم التكليف على أساسها) والمساحات الواردة من الشؤون الجغرافية والجيش اللبناني (والبالغة 4860 م.م)".

وعليه، بعد أن أقرّ كتاب حمية بشكل رسمي أن: "أغلب الموافقات .. في بنودها صيانة أو وضع أكشاك بحرية، بينما هي في الواقع بنغالوهات للسكن وبيت من الخشب ثابت .. معدّ كمطعم مجهّز...". طلب حمية من المديرية العامة للنقل البحري والبري أخذ إجراءات الوقف الفوري للأعمال الجارية ضمن المساحات المتاخمة للعقارين 177 و202/ تحوم، مع تحديد المساحات المخالفة، ورفع الإجراءات الإدارية المطلوبة من غرامات متوجبة وهدم وإزالة المخالفات (وفقا لأحكام القانون 64/17).

سنسول من الرخص "غير القانونية" لحماية التعديات

إثر قرار وقف الأعمال والهدم والإزالة، يعتبر أيوب أن الانتصار الذي حقّقه الحراك البيئي، قد أفضى مؤخّرًا إلى إزالة مجموعة البنغالوهات Bangalows، وعرقلة ومنع الشركة من افتتاح مشروعها لسنوات عديدة والأصح القول "تعدّيها" على الأملاك العمومية.

ورغم تعهّد يزبك، وفق الرخص الممنوحة له بعدم استخدام الباطون وعدم التعدي على الأملاك البحرية، تحت طائلة التوقيف الفوري عن العمل وإلغاء الموافقة، ووضع اشارة على العقار وملاحقته جزائيا بالغرامات وبكل مسؤولية وعطل وضرر، يؤكّد أيوب أنّ المخالفات  بقيت سيدة الموقف. إذ استأنفت شركة آزور بلو أعمالها، تحت جنح العدوان الإسرائيلي منذ أواخر السنة الفائتة. وقد وثّقت عدسات الناشطين بالفعل حركة الشاحنات والآليات من وإلى الورشة حتى في ساعات الليل، خلافا للقانون.

وكأن التراخيص والقرارات الوزارية والتعهدات قد اقتصرت على حبر الورق بمعزل عن أرض الواقع. أو أنها رسمت تعديلات جديدة على خرائط المشروع. فلقد استغلّ يزبك اندلاع الحرب، وعاد بأعماله ليزيل بعض التعدّيات ويتمادى بتعدّيات أخرى، مستفيدًا من رخصٍ إضافيّة أكرمته بها الإدارة من جديد، وفق أيوب، عوض ملاحقته بجرم التزوير والتعدي على الأملاك العامة البحرية.

وفي السياق نفسه، يثير الناشطون هواجس جدية حول الأعمال الجارية، وبأنها لا تقتصر على إزالة "التعديات، وإنما "هناك لعبة" وفق أيوب، لتغيير ملامح المشروع وتصاميمه، خاصة بعد ترميم يزبك للمبنى المخالف، المتواجد في كل عقار. ويؤكّد أيوب للمفكرة أن التعديات على الأملاك العامة البحرية جسيمة، بحيث رصدت أعمال ردم حديثة، كما وثّقت الجرّافة وهي تعمل في قلب مياه البحر وتغيّر معالم شاطئه.

ويستنكر أيوب أداء الإدارة، وكيف لمن هو معتدٍ أن يتقدّم بطلب رخص متنوعة، من بينها صيانة تعدّيه؟ "تخيلوا إنسان معتدي بالردم، إجا البحر أعاد عوالم الشاطئ لطبيعتها. وفتّت الاعتداء، فيتقدّم المعتدي من وزارة الأشغال برخصة لصيانة الردم، أي لصيانة الإعتداء .. ويحصل عليها."

وفق أيوب: "7 رخص صيانة أفادتنا بشأنها مصادر وزارية، من دون أن تتمكن جمعية نحن حتى الساعة من الحصول على مضمونها."

وقفات احتجاجية لحجب رخص الصيانة

أمام جسامة التعدّيات، وسياسة التسليع، وتقاعس الوزارات المتعاقبة عن وقف الجرائم المرتكبة واكتفائها بتغريم التعديات، نفّذت احتجاجات من أمام كورنيش شاطئ بيروت وأمام وزارة الأشغال، لحجب رخص الصيانة عن المعتدين، التي غدت وسائل معتمدة لشرعنة التعديات.

وهنا، ندد الناشطون بخطورة التواطؤ الحاصل لأجل حماية المعتدين، باعتبار كل هذه الرخص غير قانونية، وأنّ لا مجال للاجتهاد حولها باعتبار أن نظام إشغال الأملاك البحرية القانوني يفرض، بشكل لا لبس فيه، صدور مرسوم يجيز أي اشغال واستثمار للأملاك البحرية. وفي السياق نفسه، لفت أيوب الى نهج السلطات المركزية والمحلية لناحية غض النظر وتقاذف المسؤوليات، إذ أتى جواب بلدية تحوم، على شكوى جمعية نحن، في منتصف حزيران 2025، بالإشارة إلى أن موضوع التعديات على الأملاك العمومية البحرية لناحية النظر بها واتخاذ الإجراءات اللازمة قانونا، يقع خارج نطاق صلاحياتها.

تعديات "ما بعد 1994" تقتنص فرص المعالجة

اللافت في الملف، هو تمادي يزبك في ارتكاب التعديات ما بعد العام 94، وجعلها أمرا واقعا مثبتا بالإسمنت والرخص غير القانونية، وها هو اليوم المشروع افتتح على مرأى من القوى الأمنية والسلطات، التي تبدو خجولة، متقاعسة، متواطئة أم عاجزة عن حماية شاطئ العموم واسترداده ومحاسبة المعتدين.

إذ أن العودة إلى تقرير المديرية كما كتاب وزير الأشغال، يكشف التباين الحاصل ما بين مستندات طلب المعالجة المقدّم من شركة آزور بلو، والمسجّل لدى المديرية العامة للنقل البري والبحري، تاريخ 23 أيار 2019، والتي اعترفت بموجبها الشركة بـحصول تعديات مساحتها 846 م.م وقد تم التكليف على أساسها، من جهة، وبيانات مسح الشؤون الجغرافية والجيش اللبناني خلال التسعينات والتي تثبت حصول تعدّ ب 4860 م.م .

وعليه، ثمة شبهة أن يزبك عمد إلى تزوير حقيقة التعدي الكائن على أرض الواقع، حيث أخفى بتصريحه (بخريطة إظهار الحدود) آلاف الأمتار، هربا من تسديد الغرامات المتوجبة أصولًا.

كما تمكّنت المفكرة القانونية من الاستحصال على تفاصيل مساحة التعدي المعترف بها مؤخّرا بعد أن تم تصحيح المساحات المغلوطة والخرائط المعدّلة. وقد تجاوز التعدي هذه المرّة، وفق ما وثقته الإدارة في سجلاتها مساحة 6000 مترا مربعا، شملت تعدّيا بالردم بمساحة 5535 مترا مربعا، ومسطح مائي محصور بمساحة 484 م.م، إضافة إلى مساحة 217 م.م من التعدي بالإنشاءات.

وإن مقارنة بسيطة، بين بيانات مسح الجيش للعام 94، التي رصدت، ضمن فئة "من يملكون عقار لا يستوفي شروط المرسوم 4810/66"، تعديا من قبل وجيه طنوس سعادة، أمام العقارات المتاخمة 177 و202/ تحوم، بمساحة 4860 م.م (4860 ردم و 160 إنشاءات)، وبين مساحة طلب المعالجة الأخير، توضح أن تعدي الآزور بلو حديثا يتجاوز الـ 1000 م.م، والأهم أنها جميعها غير قابلة للمعالجة وفق شروط قانون 64/2017، لوقوعها ما بعد العام 94.

ومن الجدير ذكره هنا، أن مسح الجيش لعام 1994، قد لحظ عبارة "ردميات" في وصفه لطبيعة التعدي، دون ذكر أي مشروع سياحي أو سكني. وعليه، فإن الحديث عن معالجة أي تعدّ آخر بطبيعة أخرى هو مخالف لشروط قانون 64/2017، حيث تنحصر قابلية المعالجة بما ارتكب قبل 1 كانون الثاني 1994، والتي تقتصر في حالة الـ آزور بلو على (الردميات)، في حين أن كل التعديات اللاحقة تستوجب الهدم والإزالة.

وبالركون إلى وثائق الإدارة نفسها، تحديدا المستندات الرسمية والجداول التي سبق وحصلت عليها المفكرة، بموجب حق الحصول على معلومة، يتبيّن لنا، وبالدليل القاطع، أن شركة الآزور بلو هي أحد أبرز المعتدين في محافظة الشمال، الذين وردت أسماؤهم على لائحة "الإشغالات غير القانونية للأملاك العامة البحرية التي حصلت بعد تاريخ 1/1/1994"

وليس أدل على أن تعديات يزبك قد ارتكبت ما بعد العام 94، من إفادة مسح الجيش الأخير والتي تمكّنت المفكرة من الاستحصال عليها والتي توثّق تعديات شملت، إضافة إلى الردم البالغ 4500 م.م، المخالفات الآتية: بناء (200 م.م)، مطعم (300 م.م)، مسطح مائي (300 م.م) وبنغالو خشبي (350 م.م). واللافت في إفادة الجيش أنه ذيّلها بملاحظتين حول التعديات: الأولى أنها "من سنة تقريبا" والثانية بأنه "لا يوجد مرسوم".

وتجدر الإشارة هنا، إلى أنه ورغم حداثة مسح الجيش، نجد أن يزبك قد اعترف، في بيانات طلب المعالجة (بعد تصحيح البيانات المغلوطة)، بتعديات ردم تفوق الـ 5500 م.م، في حين أن مسح الجيش الأخير، قد وثق فقط 4500 م.م. للردم. وعليه نتساءل حول دقة مسح الجيش، من جهة، وحول إمعان يزبك في تجاوزاته، من جهة أخرى، مع أمله بالمعالجة.

هواجس حول تنفيذ قانون 64/2017


وعليه، انطلاقا من نهج غضّ النظر والتخلّي، وأمام حالات تزوير مماثلة تكتفي فيها السلطة بمزيد من التسليع عوض المحاسبة والملاحقة، وعوض الحرمان من أي حق بالإشغال واسترداد المساحات المنتهكة وغير القابلة للمعالجة، نتيجة الإخلال بشروط الرخص أو التعديات المتعاقبة والجسيمة. يطرح هذا الملف تساؤلات وهواجس جدية حول:

1- عدد طلبات المعالجة المماثلة المرفوعة اليوم إلى الإدارة، والتي تحتوي على بيانات غير صحيحة وغير واقعية، وفي تباين مع أرض الواقع وتاريخ التعديات.

2- عدد التكاليف التي صدرت على أساس بيانات مغلوطة وبالتالي حجم الهدر والأموال التي لم تدخل حتى الساعة إلى الخزينة، نتيجة التحايل أو التلاعب بالخرائط والمساحات.

3- أداء السّلطة تجاه المُعتدين، الذين تمادوا بارتكاب التجاوزات، سواء لناحية تحريف الوقائع والتزوير أو التعديات على الأملاك البحرية غير القابلة لأي معالجة، والتي حصلت على مرأى من الأجهزة المختصة والسلطات، وعلى وقع الاحتجاجات المنددة والمطالبة باحترام القوانين وحماية شاطئ العموم.

4- مدى احترام النظام القانوني لإشغال الأملاك العامة البحرية وقوانين حماية البيئة (بما تشمله من إشتراط صدور مرسوم، موافقة المجلس الأعلى للتنظيم المدنية، إعداد دراسة أثر بيئي والحصول على موافقة وزارة البيئة بشأنها..).

5- عدد المعتدين الذين ابتدعوا مؤخرا، وجود تجاوزات، مدّعين وقوعها قبل العام 1994، في محاولة لاقتناص فرص المعالجة، باستصدار مراسيم، كمرسوم بالما الذي شكّل أوّل تطبيق فعلي للقانون 64/2017، والذي حاولت من خلاله حكومة ميقاتي تسوية ما يحظر القانون تسويته. وهذا الأمر يطرح بجدية إشكالية تشجيع قانون معالجة الإشغالات غير القانونية على زيادة التعديات المرتكبة، وتعزيز وضع مرتكبيها، الذين باتوا يتصرفون بمثابة المالك طالب التسوية، وليس المعتدي الذي يخشى المحاسبة. إضافة إلى إسهام هذا القانون في إطالة أمد المخالفات أو شبه تأبيدها، مع مرور أكثر من 8 سنوات على تعذّر تطبيقه.

6- ولعل الإشكالية الأبرز المطروحة، هو أن قانون المعالجة 64/2017، قد انتهى إلى مكافأة المعتدين الذين ستتوفّر لديهم شروط المعالجة، بمنحهم أوضاعًا قانونية أفضل (حق استثمار مساحة تصل إلى 4 أضعاف مساحة عقارهم المتاخم) من الأشخاص الذين يحصلون على حق الإشغال قانونا عملا بالمرسوم 66/4810 (إشغال لا يتجاوز ضعفي مساحة العقار المتاخم)، بشكل يعكس الإمعان في الاستقواء على الدولة وملك العموم.

واليوم، وبعد استمرار التجاوزات على شاطئ تحوم والتي كادت تصل الليل بالنهار، في سباق لإنهاء المشروع وافتتاحه، قبل أية يقظة منشودة من السلطة. أكّد محمد أيوب منسق حملة الشط لكل الناس، أن الحراك ينتظر تقرير الخبير، الذي كان قد قام بالكشف الفني، قبيل العدوان الأخير على لبنان، بناء لطلب تعيين الخبير الذي تقدّمت به جمعية نحن إلى قاضي العجلة في البترون، تاريخ 12- 11- 2025. إلا أن يزبك قد تقدّم بطعن بتعيين الخبير، بحجة أن المهمة تشمل الأعمال على الأملاك الخاصة، وفق ما نقله أيوب للمفكّرة.

وعليه، ينتظر قرار قاضية العجلة الناظرة في هذا الشأن، والفصل في مضمون تقرير الخبير والتثبّت من وجود الرخص التي سمحت بالأعمال الجارية (إن وجدت)، والتأكّد من مدى مطابقتها للواقع والتحقق من ردم البحر وجلب الصخور إليه وصبّه بالباطون وبناء مسبح أو إنشاءات في الأملاك العامة البحرية .. على أن يبنى، وفق أيوب، وبالطرق القانونية، على الشيء مقتضاه.

 فلنراقب: مزيدٌ من التسليع أم استردادٌ لشاطئ العموم.


تمّ إنجاز هذا المقال في إطار المشروع المشترك بين المفكرة القانونية ومبادرة سياسات الغدّ: “المناخ والأرض والحقّ: السّعي الى العدالة الإجتماعية والبيئية في المنطقة العربية”

 


More periodicals

view all
Search
Back to top