The Policy Initiative

  • eng
    • share
  • subscribe to our mailing list
    By subscribing to our mailing list you will be kept in the know of all our projects, activities and resources
    Thank you for subscribing to our mailing list.
07.13.26

إعادة بناء الثقة قبل إعادة بناء المنازل في لبنان

جمال ابراهيم حيدر

تجاوَزَ نجاحُ إعادة الإعمار عددَ المساكن المؤقّتة التي تُشيَّد، ليُقاس أيضًا بمدى إمكان تتبُّع كلّ ليرة من المال العامّ، وإخضاع كلّ عقد للتدقيق، وتمكُّن كلّ أسرة متضرّرة من أن ترى بوضوح أنّ الحاجة، لا النفوذ، هي التي حدّدت من تلقّى المساعدة.

وافق مجلس الوزراء اللبنانيّ على قرار يتيح للهيئة العليا للإغاثة ومجلس الجنوب شراء وحدات سكنيّة مُسبَقة الصنع عبر التعاقد المباشر، بموجب المادّة ٤٦ من قانون الشراء العامّ، وبعد إجراء مسح لأسعار السوق، من أجل إيواء الأسر التي دُمّرت منازلها خلال الاعتداءات الإسرائيليّة الأخيرة. والمنطق الإنسانيّ وراء ذلك مُقنِع؛ فالأسر التي فقدت منازلها لا تستطيع انتظار إجراءات شراء مُطوّلة فيما لا تزال في حال نزوح؛ إذ إنّ الطوارئ تقتضي السرعة. غير أنّ تجربة لبنان تُظهر أيضًا أنّ حالات الطوارئ تعرّض المؤسّسات العامّة لمخاطر أكبر من الفساد، والهدر، والزبائنيّة، وتآكل الثقة العامّة. لذلك، لا يكمن التحدّي في المفاضلة بين الإغاثة السريعة والحَوْكَمَة السليمة، وإنّما في ضمان أن تبقى مشتريات الطوارئ شفّافة، وتنافسيّة، ومسؤولة اقتصاديًّا، وخاضعة للمساءلة، من العقد الأوّل إلى التسليم النهائيّ.

وقد واجه لبنان هذه المعضلة مرارًا. فبعد حرب عام ٢٠٠٦، تدفّقت مليارات الدولارات إلى إعادة الإعمار عبر مؤسّسات عامّة، وبلديّات، وتنظيمات سياسيّة، وجمعيات خيريّة، وجهات مانحة دوليّة، ومبادرات خاصّة. ومع أنّ آلاف الأسر استفادت من المساعدة السريعة، فقد وثّقت تقارير لاحقة، صادرة عن هيئات رقابيّة، ولجان برلمانيّة، وصحافيّين استقصائيّين، ومنظّمات مجتمع مدنيّ، مخاوف متعلّقة بتداخل التعويضات، وعدم اتّساق اختيار المستفيدين، وضعف التوثيق، وتجزّؤ التنسيق بين المؤسّسات، ومحدوديّة الشفافية في الشراء العامّ والإنفاق العامّ. وظهرت مخاوف مماثلة متعلّقة بالحَوْكَمَة بعد انفجار مرفأ بيروت، حيث أدّى الالتباس في تحديد المستفيدين، وازدواجيّة المساعدات، وتشتّت جهود إعادة الإعمار، إلى إضعاف الثقة العامّة. ولا ينبغي لهذه التجارب أن تثبّط التدخّل السريع اليوم، وإنّما أن تقدّم دروسًا قيّمة حول كيفيّة إعادة البناء بفاعليّة أكبر وصدقيّة أعلى.

لذلك، ينبغي فهم الصلاحيّة الاستثنائيّة التي تتيحها المادّة ٤٦ بوصفها استثناء من الإجراءات التنافسيّة المطوّلة، لا استثناء من الشفافيّة أو التوثيق أو الانضباط الماليّ. وينبغي أن يخلّف كلّ عقد طارئ سجلًّا عامًّا كاملًا يشرح لماذا كان التعاقد المباشر ضروريًّا، وكيف جرى تحديد المورّدين، وكيف أُجري مسح الأسعار، وكيف حُدّدت المواصفات الفنّيّة، ولماذا مثّل المتعاقد المختار أفضل قيمة مقابل المال. فقانون الشراء العامّ يتجاوز منع الفساد إلى ضمان أن تحقّق الموارد العامّة الشحيحة أكبر منفعة ممكنة للمواطنين. وتزداد هذه المسؤوليّة إلحاحًا في حالات الطوارئ.

وينبغي أن تصبح القيمة مقابل المال المبدأ الناظم لكلّ قرار شراء. فالسعر الأدنى وحده لا يضمن بالضرورة النتيجة الأفضل إذا كانت المساكن المتدنّيّة الجودة ستتطلّب إصلاحات متكرّرة أو استبدالًا مبكرًا. وبالمثل، فإنّ الحلول الباهظة التي لا تقدّم سوى تحسينات هامشيّة تهدر موارد كان يمكن أن تساعد أسرًا نازحة إضافيّة. لذلك، ينبغي لسلطات الشراء تقييم العروض وفق معايير شفّافة تجمع بين السعر، والجودة، والمتانة، وكلفة الصيانة، وسرعة التسليم، وكفاءة الطاقة، وموثوقيّة المُورِّد. ومن شأن نشر هذه المعايير قبل منح العقود أن يطمئن المواطنين إلى أنّ قرارات الشراء تستند إلى اعتبارات اقتصاديّة موضوعيّة، لا إلى نفوذ شخصيّ.

يتطلّب قرار الحكومة إجراء مسوح لأسعار السوق قبل التعاقد. وينبغي لهذه المسوح نفسها أن تصبح وثائق عامّة. فمن حقّ المواطنين أن يعرفوا أيّ شركات جرت استشارتها، وأيّ عروض أسعار قُدّمت، وكيف قُيّمت الفروق الفنّيّة، ولماذا وقع الاختيار في النهاية على مُورِّد دون غيره. ومن شأن نشر عروض الأسعار التي لم يقع عليها الاختيار، مع حماية المعلومات التجاريّة السرّيّة فعلًا عند الاقتضاء، أن يحدّ كثيرًا من الشكوك المتعلّقة بتضخيم الأسعار، أو العمولات الخفيّة، أو المحاباة. فالشفافية تخلق منافسة حتّى عندما يجري الشراء عبر التعاقد المباشر.

وينبغي لمشتريات الطوارئ أيضًا أن تتحوّل إلى محرّك للتعافي الاقتصاديّ المحلِّيّ، لا أن تبقى مجرّد آليّة لشراء مساكن مؤقّتة. فكلّما استطاع المصنّعون اللبنانيّون إنتاج وحدات سكنيّة مسبقة الصنع، أو موادّ بناء، أو مفروشات، أو موادّ عزل، أو معدّات كهربائيّة، أو أبواب، أو نوافذ، أو مكوّنات للتمديدات الصحّيّة، أو غيرها من المدخلات المطلوبة، بأسعار تنافسيّة وجودة مماثلة، وجب على الجهات الشارية أن تعطي الأولويّة للإنتاج المحلِّيّ على الاستيراد. ومن شأن تقليص الاستيراد غير الضروريّ لهذه المكوّنات أن يُبقي، داخل لبنان، نشاطًا اقتصاديًا، وفرص عمل، وطلبًا صناعيًّا كان يمكن أن يتسرّب إلى الخارج. لذلك، ينبغي للإنفاق على إعادة الإعمار أن يضاعف أثره من خلال إعادة بناء المنازل وتنشيط القطاعات الإنتاجيّة في آنٍ واحد.

وينبغي إيلاء اهتمام خاصّ للمصنّعين، والورش، والمقاولين، والمورّدين العاملين في الجنوب وفي المناطق الأخرى المتضرّرة مباشرة من الحرب. فقد عانى كثير من هذه المؤسّسات أضرارًا مادّيّة، وتراجعًا في الإيرادات، وانقطاعًا في الإنتاج، ونزوحًا في صفوف العاملين. ومن شأن منح العقود لشركات مؤهّلة من المناطق المتضرّرة، شرط أن تستوفي معايير فنّيّة وماليّة شفّافة، أن يحوّل الإنفاق على إعادة الإعمار إلى أداة للتعافي الاقتصاديّ المناطقيّ. ولا ينبغي أن يكون الهدف يومًا منح معاملة تفضيليّة منفصلة عن الجدارة، وإنّما ضمان تمكّن الشركات المحلّيّة من التنافس الكامل والعادل على العقود العامّة؛ فإعادة بناء المجتمعات المحلّيّة تقتضي أيضًا إعادة بناء شركاتها المحلّيّة.

وينطبق المبدأ نفسه على التوظيف؛ بحيث ينبغي إلزام المقاولين الذين يحصلون على عقود إعادة إعمار مموَّلة من المال العامّ، كلّما أمكن ذلك، بتوظيف نسبة وازنة من اليد العاملة المحلّيّة، ولا سيّما من المجتمعات المتضرّرة من النزاع. ويمكن لمشاريع المساكن المؤقّتة أن توفّر فرص عمل فوريّة للنجّارين، والكهربائيّين، والحدّادين، والسبّاكين، والسائقين، والفنّيّين، والمهندسين، ومشغّلي الآلات، وعمّال البناء عمومًا. لذلك، لا يقتصر أثر الشراء العامّ على إنشاء الأصول المادّيّة؛ فهو قادر أيضًا على توفير دخل مؤقّت، وتنمية مهارات محلّيّة، وتحريك نشاط اقتصاديّ. وتبلغ إعادة الإعمار أثرها الأوسع عندما تدور الأجور داخل المجتمعات المتضرّرة بدلًا من أن تغادرها فورًا.

غالبًا ما يبدأ هدر المال العامّ من مواصفات فنّيّة غير محدّدة بدقّة، لذلك، يجب أن يتمكّن المواطنون من الاطّلاع بوضوح على ما تشتريه الحكومة. كذلك، ينبغي أن تكون للوحدات السكنيّة مواصفات متاحة للعموم، تشمل الأبعاد، ومعايير العزل، والسلامة الإنشائيّة، والعمر الافتراضيّ المتوقّع، وأحكام الضمان، ومتطلّبات الوصول الميسّر، وتكاليف التركيب، والتزامات الصيانة، والأداء البيئيّ. فالمواصفات الموحّدة تتيح للمهندسين، والأكاديميّين، والصحافيّين، والجمعيّات المهنيّة، مقارنة الأسعار بموضوعيّة وتحديد ما إذا كان دافعو الضرائب يحصلون على قيمة معقولة. وتُعدّ الشفافية في المعايير الفنّيّة من أقوى الضمانات ضدّ المبالغة في الأسعار.

وتمتدّ المساءلة إلى ما بعد الشراء، لتشمل اختيار المستفيدين. إذ لا بدّ من أن يحصل كلّ طلب تقدّمه الأسر النازحة على رقم مرجعيّ فريد، يتيح لمقدّمي الطلبات تتبّع وضع ملفّاتهم إلكترونيًّا أو عبر المكاتب البلديّة. وينبغي أن تكون معايير الأهليّة الواضحة، ومهل تقديم الطلبات، وإجراءات التحقّق، وأسباب الموافقة أو الرفض، والجداول الزمنيّة المتوقّعة، متاحة للعموم. ولا يُفترض أبدًا أن يُترك مقدّمو الطلبات في حيرة، يتساءلون عمّا إذا كان ملفّهم قد ضاع، أو ما إذا كانت أسرة أخرى قد حَظِيَت بمحاباة غير عادلة، أو ما إذا كان دفع مبالغ غير رسميّة ضروريًّا لتسريع المعالجة؛ ذلك أنّ الغموض الإداريّ يخلق أرضًا خصبة للرشوة والعمولات غير الرسميّة، أمّا الشفافية الإداريّة فتقضي على جانب كبير من هذه الفرص.

ومن الضرويّ أن تصير البلديّات حجر الزاويّة في التحقّق من المستفيدين نظرًا إلى امتلاك السلطات المحلّيّة معرفة تفصيليّة بالأحياء، وملكيّة العقارات، وإقامة الأسر، والنزوح الفعليّ. وتستطيع المجالس البلديّة التحقّق من العقارات المتضرّرة، وإثبات الإشغال حيثما فُقدت الوثائق، وتحديث قوائم المستفيدين، ورصد الطلبات المكرّرة، والتأكّد من وصول المساكن المؤقّتة إلى من يحتاجون إليها فعلًا. وبما أنّ المسؤولين البلديّين يبقون خاضعين مباشرة لمساءلة مجتمعاتهم المحلّيّة، فإنّهم غالبًا ما يكونون في موقع أفضل من الوكالات المركزيّة لاكتشاف المخالفات قبل تحوُّلها إلى نمط عامّ.

وتكمّل مؤسّسات الرقابة والخبرة اللبنانيّة الرقابة البلديّة؛ ذلك أنّ الجامعات، ونقابات المهندسين، والمهندسون المعماريّون، والمحاسبون، ونقابات المحامين، وغرف التجارة، ومنظّمات المجتمع المدنيّ اللبنانيّة، تمتلك خبرات فنّيّة واسعة تعزّز الرقابة على الشراء العامّ من دون تأخير التنفيذ. فالـمهندسون المستقلّون يفحصون الوحدات السكنيّة المُسلَّمة قياسًا إلى المواصفات التعاقديّة، والاقتصاديّون يحلّلون اتّجاهات الأسعار، والجمعيّات المهنيّة تراجع مدى الامتثال للمعايير الهندسيّة، فيما ترصد منظّمات المجتمع المدنيّ رضا المستفيدين وتحدّد ثغرات التنفيذ. وتبلغ المساءلة أقوى صورها عندما تمارس المؤسّسات اللبنانيّة نفسها الرقابة على الإنفاق العامّ اللبنانيّ.

وتتيح التكنولوجيا ضمانة قويّة أخرى. فمن خلال لوحة متابعة إلكترونيّة متاحة للعموم، يمكن نشر معلومات محدّثة باستمرار عن عقود الشراء، والمورّدين الذين رست عليهم العقود، وقيم العقود، والبلديّات المشمولة، والوحدات السكنيّة المُسلَّمة، وطلبات المستفيدين الواردة، والطلبات المقبولة، وتقدّم أعمال التركيب، وإجمالي النفقات. وقد أصبحت هذه المنصّات من أفضل الممارسات الدوليّة، لأنّها تفسح المجال أمام المواطنين، والصحافيين، والباحثين، والنوّاب، لرصد الاختلالات فيما لا تزال المشاريع قيد التنفيذ، لا بعد مرور سنوات على انتهاء إعادة الإعمار. فالبيانات المفتوحة تحدّ من سوء السلوك تحديدًا لأنّها تجعل الإخفاء أشدّ صعوبة.

ولا بدّ من أن يُختتم كلّ برنامج إعادة إعمار بتدقيقَين مستقلَّين: ماليّ وأدائيّ. وتتّسع مهمّة الرقابة لتشمل قانونيّة الإنفاق، ومدى تحقيق الشراء القيمة مقابل المال، وتحقّق المنافع الاقتصاديّة المحلّيّة، ومشاركة المورّدين المحلّيّين بصورة عادلة، والوفاء بالتزامات التوظيف، واستمرار الإنصاف في اختيار المستفيدين، واستيفاء جودة المساكن الالتزامات التعاقديّة. ولا يقتصر هدف التدقيق على إسناد المسؤوليّة بعد وقوع الخلل؛ إذ يتمثّل أيضًا في تعزيز أنظمة الشراء في حالات الطوارئ مستقبلًا عبر التعلّم المؤسَّسيّ.

يملك لبنان اليوم فرصة ليثبت أنّ الشراء في حالات الطوارئ قادر، في آنٍ واحد، على توفير إغاثة إنسانيّة سريعة، وحماية الموارد العامّة، وتحفيز الإنتاج المحلِّيّ، وخلق فرص عمل محلِّيَّة، وتعزيز الثقة العامّة بمؤسّسات الدولة. ومن المهمّ ألّا تتحوّل المساكن المؤقّتة إلى حلقة أخرى تُستعاد بوصفها موضع جدل، أو غموض، أو محاباة سياسيّة، وأن تصبح، بدلًا من ذلك، مثالًا على قدرة إعادة الإعمار على إعادة بناء المجتمعات والمؤسّسات في الوقت نفسه. فالمساكن التي تُشيَّد اليوم سيحلّ محلّها، في النهاية، إعمار دائم. أمّا الثقة العامّة التي تُكتسب عبر الحَوْكَمَة الشفّافة، والشراء الرشيد المسؤول، والمؤسّسات الخاضعة للمساءلة، فيمكن أن تدوم طويلًا بعد زوال المساكن المؤقّتة.

 


From the same author

view all

More periodicals

view all
Search
Back to top