The Policy Initiative

  • eng
    • share
  • subscribe to our mailing list
    By subscribing to our mailing list you will be kept in the know of all our projects, activities and resources
    Thank you for subscribing to our mailing list.
05.03.23

إمكانات النموّ الاقتصادي من زراعة القنّب الهندي "الحشيش" في لبنان

سالم درويش,
جمال ابراهيم حيدر,
حسين زعيتر
إنّ أسباب الأزمة الاقتصادية التي يشهدها لبنان اليوم والعوامل المؤثّرة فيها معروفة وموثّقة والتعديلات في السياسة النقدية وتدابير السياسة المالية التي يتخذها حالياً البنك المركزي ووزارة المالية لمواجهة الأزمة المستمرة مُعلنة، إلا أنّنا نعرف القليل عن السياسات الاقتصادية غير التقليدية التي يمكن أن يعتمدها لبنان للتخفيف من أثر هذه الأزمة، إذ يمكن أن تُركّز إحدى هذه السياسات على القطاعات الاقتصادية التي يملك لبنان ميزة تنافسية فيها تمكّنه من التسويق لمنتجات لم يستفِد منها حتّى الآن ومن زيادة صادراته من دون زيادة الإنفاق العام. ومن هذه المنتجات التي تُعتبر محطّ جدل هو "القنّب الهندي". ففي عام 2020، أصدرت شركة ماكنزي أند كومباني تقريراً حول السياسة الاقتصادية اللبنانية بعنوان "رؤية لبنان الاقتصادية"، وقد تضمّن هذا التقرير تقديرات تشير إلى أنّ زراعة القنّب الهندي في لبنان قد تولّد 4 مليارات دولار أمريكي من الإيرادات من المبيعات السنوية. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الإمكانات الاقتصادية لزراعة القنّب الهندي، التي ورَدت ضمن نتائج وتوصيات التقرير، تستحق المناقشة، لا سيّما ثلاث نقاط على الأقل تُثري الحوار العام حول الموضوع.

أولاً، يشير تقرير "رؤية لبنان الاقتصادية" إلى أنّ تشريع زراعة القنّب الهندي سيزيد المساحات المزروعة من صفر هكتار في عام 2017 إلى 1000 هكتار بحلول عام 2025. إلا أنّ مصدر هذه الأرقام غير واضح، لا سيّما وأنّ لبنان يزرع هذه النبتة منذ 100 عام على الأقل وينتج كميات كبيرة من القنّب الهندي. ولا شكّ في أن زراعة القنّب الهندي القانونية تقتضي صدور قانون يشرّعها. لكن ستبرز شكوك حول كمية المحصول الزراعي المتوقعة بعد صدور التشريع ما لم يتم تحديد منهجية الاحتساب المستخدمة أو إتاحة الوصول إلى مجموعات البيانات ذات الصلة.

ثانياً، أشار التقرير إلى أنّ زراعة القنّب الهندي غير الشرعية انتشرت على نطاق واسع في عام 2017، ما يناقض ما خلُص إليه التقرير سابقاً بأنّه لم تتم زراعة أي هكتار في العام نفسه. بالإضافة إلى ذلك، توقّع مُعِدّو التقرير أن تنشأ مناطق خاضعة للرقابة لزراعة القنّب الهندي الشرعية المخصص للتصدير لغايات طبية بحلول عام 2025. كما توقّعوا إلغاء الزراعة غير الشرعية بالكامل تقريباً نظراً إلى أنّ غالبية المزارعين سيحصلون على تراخيص وسيخضعون لرقابة حكومية بحلول عام 2035. لكن التقرير لم يتطرّق بتاتاً إلى العوامل المؤثّرة في هذه التوقعات ولا الفرضيات ذات الصلة بها. فعلى سبيل المثال، لم يتضح بعد ما إذا كان المزارعون سيفضّلون الانتقال من القطاع الزراعي غير الرسمي إلى القطاع الرسمي، خصوصاً في ظلّ القيود التي ستُفرض على القطاع الرسمي. وفي هذا الإطار، باءت مؤخراً الجهود المبذولة لتوفير زراعات بديلة للمزارعين بالفشل، بما في ذلك الحملة التي أطلقتها الأمم المتحدة في تسعينيات القرن الماضي، ويعود ذلك جزئياً إلى أن تكاليف زراعة القنّب الهندي منخفضة لكن الأرباح المحققة منها مرتفعة. كذلك، فشلت حملات القوى الأمنية المحلية لتلف محاصيل القنّب الهندي في منع زراعته، وقد توقّفت مؤخراً هذه الحملات جرّاء الحرب في سوريا. وانطلاقاً من هنا، لا بدّ من ترتيب الأهداف المختلفة والعوامل الاستراتيجية بحسب أولويتها بالنسبة للأًسر المعيشية الزراعية والمزارعين التجاريين.

بالإضافة إلى ذلك، قد يعتمد مستوردو منتجات القنّب الهندي في الأسواق الأوروبية وغيرها معاييرَ تضمن جودتها وتُلزم المزارعين باستخدام بذور يزوّدون المزارعين بها بأنفسهم. ففي هذه الحالة، سيتحكّم المستوردون بعوامل الإنتاج، أي اليد العاملة والأراضي الخصبة، في حين أن المزارعين سيعتمدون على المستوردين، ما يعني أن البذور ستأتي من شركات متخصصة في إنتاج البذور المعتمدة، وفي حال نشأ أي نزاع بينها وبين السلطات اللبنانية، قد لا يستطيع المزارعون زراعة القنّب واستخدامه في المنتجات المعدّة للتصدير بسبب عدم توفّر البذور. وفي حال قرر المستوردون عدم تزويد مزارع معيّن بالبذور لأي سبب كان، قد تتدهور أوضاع المزارعين، بما أنّهم لن يتمكنوا من الحصول على البذور ما لم يزرعوا القنّب الهندي بشكل غير مشروع. وبذلك، حتى ولو رغب المستوردون بدفع سعر أعلى، قد لا يرغب المزارعون بمقايضة الاستقلالية التي تمتّعوا بها لفترة طويلة بأسعار مرتفعة لقاء منتجاتهم على المدى القصير. لذلك، لا يمكن الافتراض بأنّ المزارعين المحليين سيقبلون بالانتقال إلى القطاع الرسمي من دون مناقشة الحوافز والضمانات المقدّمة لهم، ومن دون إنتاج البذور محلياً بموجب ترخيص، ومن دون تحديد سعر يُعَدّ تنافسياً لأسعار منتجات القنّب الهندي غير الرسمية قبل بداية كل موسم زراعي.

ثالثاً، يسلّط التقرير الضوء على أهمية ترتيب القطاعات الفرعية ذات إمكانات النموّ العالية التي تستغلّ مكامن القوة في لبنان بحسب أولويّتها (وتركيز التدخّلات الحكومية عليها)، ومنها القطاعات التي تستوجب مهارات عالية، مثل قطاع الرعاية الصحية الذي يستهلك المنتجات الدوائية والمنتجات الطبية المصنّعة من القنّب الهندي (مثل المواد المخدّرة المصنوعة منه). وبحسب هذا التقرير، ستساعد هذه الإجراءات لبنان في زيادة صادراته من المنتجات الفرعية ذات الأولوية من 828 مليون دولار أميركي في عام 2017 إلى 17,990 مليون دولار أميركي بحلول عام 2025. لكنّ طريقة احتساب هذه الأرقام غير واضحة، لا سيّما وأنه من الصعب تقدير قيمة القنّب الهندي المنتَج في لبنان. بالإضافة إلى ذلك، تعتمد صادرات المنتجات الطبية المصنّعة من القنّب الهندي على القدرة الإنتاجية، والاتفاقيات التجارية، وبراءات الاختراع. لذلك، لا بدّ من التحقّق من توافر مصانع متخصصة في لبنان، وتحديد الدول الأجنبية التي قد تستورد منه والشروط التي ستحكم عمليات الاستيراد، وتحديد ما إذا كانت براءات الاختراع اللبنانية تسمح بإنتاج منتجات معيّنة افترض التقرير تصديرها، علماً بأنّ القانون الذي يسمح باستخدام القنّب الهندي لغايات طبية وصناعية لم يتطرّق إلى حقوق الملكية الفكرية.

رابعاً، إن السوق العالمية للقنّب الهندي الطبي تنمو بسرعة، إذ أعلنت دول متعددة عن امتلاكها "ميزة المتحرّك الأول". وقد فُتحت بالفعل أبواب التجارة الدولية القانونية لمنتجات القنّب الهندي الطبية على مصرعَيها، فتُصدّر كندا اليوم مثلاً منتجاتها إلى ألمانيا، وكرواتيا، ونيوزيلندا، والبرازيل، والتشيلي، فيما تصدّر هولندا منتجاتها إلى أستراليا ودول أوروبية مختلفة منها إيطاليا، وألمانيا، وفنلندا. كما ركبت دول أخرى موجة التصدير بسرعة، فأعلنت الأورغواي في عام 2017 عن خططها لتصدير زيت القنّب الهندي الطبي إلى كندا والمكسيك، كما صادقت أستراليا في عام 2018 على تصدير منتجات القنّب الهندي الطبي. لذلك، ينبغي إجراء تقييم إضافي لتحديد قدرة لبنان على الحصول على حصة من السوق العالمية. لكنّ السؤال يبقى: هل سيحقّق لبنان أرباحاً من تشريع زراعة القنّب الهندي أو أنّ إبقاء الوضع كما هو يعود عليه بفائدة أكبر؟ بمعنى أخر، لا بدّ من إجراء تحليل للتكاليف والمنافع الاقتصادية لتشريع زراعة القنّب الهندي ومقارنة النتائج بالحالة الراهنة.1 

وهكذا، إنّ تحوُّلَ لبنان إلى دولة رائدة في مجال الصناعات الابتكارية العالية القيمة وإلى مركز لتصنيع المنتجات الدوائية (منها منتجات القنّب الهندي الطبية) على الساحة الإقليمية هي فكرة ملهِمة ومرحَّب بها. ومع ذلك، وقبل استخلاص استنتاجات عن المنافع الاقتصادية لزراعة القنّب الهندي في لبنان، ينبغي إجراء تحليلات إضافية حول كيفية تحفيز المنتِجين للانتقال إلى القطاع الرسمي، وتنظيم إنتاج واستهلاك القنّب الهندي، ووضع إطار عمل مؤسسي تنظيمي شامل للقنّب الهندي يشمل الترخيص وضوابط الإنتاج، والتصنيع، والبنية التحتية لمراقبة وتصنيع المنتجات من القنّب الهندي خلال مرحلة التصدير، والمبيعات المحلية، والاستهلاك، والحوكمة، والآليات المؤسسية.

في عام 2020، بعد أن صدر تقرير ماكنزي، أصبح لبنان الدولة العربية الأولى التي تشرّع زراعة نبتة القنّب الهندي لاستخدامات طبية وصناعية. فبموجب المادة الثالثة من القانون رقم 178/2020، أصبح من الممكن زراعة القنّب الهندي، بذوراً كان أو نباتات، تطبيقاً لقرار صادر عن الهيئة الناظمة لزراعة نبتة القنّب للاستخدام الطبي والصناعي، وذلك في سبيل إصدار منتجات مثل الأنسجة المخصصة للاستخدام الصناعي، ومستحضرات التجميل، والزيوت، والمستخلصات النباتية، والمركّبات الطبية والدوائية والصناعية.

Related Output

view all

More periodicals

view all
Search
Back to top