The Policy Initiative

  • eng
    • share
  • subscribe to our mailing list
    By subscribing to our mailing list you will be kept in the know of all our projects, activities and resources
    Thank you for subscribing to our mailing list.
01.15.26

ازدواجيّةُ المعايير لدى مُصنِّعي الإسمنت في لبنان: بين استخراج الموارد وحماية المشهد الطبيعيّ

منى خشن

تبرز في لبنان ثلاثُ شركات لإنتاج الإسمنت: شركة الترابة الوطنيّة (إسمنت السبع)، وشركة هولسيم، وشركة سبلين. وقد احتكرت هذه الشركات السوقَ المحلِّيّة منذ عقود، بفعل القيود الصارمة التي فرضها لبنان على استيراد الإسمنت، وهي تحظى، في الوقت نفسه، بإمكانيّة تصديره إلى الدول المحيطة من دون أيّة سقوف أو قيود. وقد سمحت هذه العوامل للشركات الثلاث بتحقيق أرباح طائلة، عزّزها عاملان إضافيّان: (1) ازدياد الطلب على الموادّ الأوّليّة اللازمة خلال مرحلة إعادة إعمار ما دمّرته حرب 1975–1990 والازدهار العقاريّ الذي أعقب هذه المرحلة؛ و(2) العشوائيّة السائدة في قطاع المقالع، الذي تضخّم بعد الحرب وامتدّ، بشكلٍ مخالف لإطاره التنظيميّ، إلى مواقع قريبة من معامل الإسمنت، بحجّة غياب وسائل نقل مناسبة تتيح لشركات الإسمنت مواصلةَ عملها من دون تكبُّد تكاليف إضافيّة.1

وبالنتيجة، تنتشر اليوم المقالع والكسّارات في مواقع حسّاسة بيئيًّا وفي أماكن مسكونة تتنافى مع المخطّط التوجيهيّ للمقالع والكسّارات (المرسوم 2002/8803) وفي مواقع أُدخلت عليه لاحقًا (المرسوم 1735/2009)، ومع توصيات الخطّة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانيّة (المرسوم 2366/2009). وبغضّ النظر عن تباين المناطق الصالحة للمقالع بين هذه المراسيم، أدّى الاستثمار العشوائيّ في القطاع، في ظلّ ضعف الإرادة السياسيّة في ضبطه فعليًّا، إلى أضرار بيئيّة وخسائر عامّة جمّة. وقد تفاقمت هذه الخسائر بسبب عدم إعادة تأهيل المواقع المُستثمرة، وتقصير الإدارات المعنيّة في تحصيل الرسوم والغرامات المتوجّبة على أصحاب المقالع المخالِفة، بما فيها شركات الإسمنت.2

وللمفارقة، فإنّ أصحاب القرار في الشركات الثلاث، على الرغم من مخالفاتهم القانونيّة والكلفة البيئيّة والصحِّيَّة العالية لأنشطتهم، برزوا أيضًا بوصفهم أوصياء بيئيّين حريصين على حماية المشهد الطبيعيّ وتحقيق أهداف التنمية المستدامة. ويعرض هذا المقال لمحةً نقديّة عن ازدواجيّة معاييرهم البيئيّة، ويُبيّن أنّ انخراطهم في جهود الحفاظ على الطبيعة وإعادة تأهيل المواقع المتدهورة لا ينطلق من التزام بيئيّ حقيقيّ، بل من اعتبارات سياسيّة واقتصاديّة بالدرجة الأولى. وعليه، يُحذّر المقال من أساليب «الغسيل الأخضر» التي غالبًا ما تعتمدها الشركات الملوِّثة لتمويه آثارها السلبيّة وتفادي المساءلة المؤسّسيّة والاجتماعيّة، ولا سيّما في سياق التغيّر المناخيّ وتشديد الحكومات والجهات المانحة على الامتثال لمعايير تهدف إلى خفض انبعاثات الكربون وتوجيه رأس المال نحو أنشطة مستدامة.

النشاطات المتعدّدة والمتباينة للفاعلين الرئيسيّين في شركات الإسمنت

يظهر تباينٌ واضح في أنشطة شركات الإسمنت الثلاث وبعض الفاعلين الرئيسيّين فيها، بما يسلّط الضوء على تداخل الأدوار بين الصناعيّين الكبار وبعض المجموعات المعنيّة بحماية المشهد الطبيعيّ وإدارته في لبنان. ويشغل بيار جوزيف ضومط، على سبيل المثال، موقعًا مزدوجًا يعكس هذا التداخل بوضوح؛ فهو رئيس مجلس شركة الترابة الوطنيّة، التي تأسّست عام 1953 على يد عائلتَي ضومط وعسيلي، ومديرها التنفيذيّ، وهو، في الوقت عينه، رئيسُ جمعيّة حماية جبل موسى، وأحد مؤسّسيها، وقد أُنشئت عام 2007 بهدف المحافظة على الثروة الطبيعيّة والتنوّع البيولوجيّ لجبل موسى وإنشاء محميّات فيه. وبحسب قاعدة بياناتICIJ Offshore Leaks ، فإنّ بيار ضومط هو أيضًا مساهم ورئيس شركة Charnwood Limited التي تأسّست عام 1989 في جزر فيرجن البريطانيّة (British Virgin Islands). ولا تتوافر معلومات عن نشاط هذه الشركة، إلّا أنّه من الواضح أنّها شركة عائليّة، والمساهم الوحيد من خارج العائلة فيها والوصيّ على إدارتها هو Credit Agricole Management Services (Bahamas) Limited، الذي يُعدّ جزءًا من مجموعة Credit Agricole المصرفيّة الدوليّة. 

ولا يقتصر هذا التداخل في النشاطات على شخص ضومط فحسب، بل يشمل فاعلين آخرين، مثل النائب نبيل دي فريج، الذي يُعَدّ أيضًا أحد مؤسّسي جمعيّة حماية جبل موسى، فضلًا عن كونه مساهمًا وعضوًا في مجلس إدارة شركة ألبان لبنان، وفي عدد من الشركات الماليّة والعقاريّة والتجاريّة. وينطبق الأمر نفسه على وليد جنبلاط، الذي يشغل، إضافةً إلى موقعه السياسيّ، رئاسة مجلس إدارة شركة ترابة سبلين التي تأسّست عام 1974 بقيادة والده، ورئاسة جمعيّة أرز الشوف التي تشكّلت عام 1994 بهدف الإشراف على إنشاء محميّة أرز الشوف وإدارتها. كذلك تضمّ الجمعيّة شخصيّات سياسيّة لبنانيّة أخرى، من بينهم نورا جنبلاط وأكرم شهيّب وميشال سكاف، مدير الأملاك الزراعيّة لعائلة سكاف، التي تشمل محميّة عمّيق في قضاء زحلة.

أمّا شركة هولسيم، التي تأسّست عام 1929 تحت اسم "شركة الترابة اللبنانيّة"، فتختلف بهيكليّتها الإداريّة عن شركة الترابة الوطنيّة وشركة سبلين، كونها تابعة لمجموعة هولسيم العالميّة؛ علمًا أنّ الشركة السويسريّة Holderbank (التي أصبح اسمها هولسيم في عام 2001) استحوذت على أغلبيّة أسهم الشركة اللبنانيّة بعد إنشائها، وغيّرت اسمها إلى هولسيم (لبنان) في عام 2002. وفي تشرين الأوّل 2025، صرّحت هولسيم (لبنان) أنّ شركة Holcibel، المساهم الأساسيّ من مجموعة هولسيم فيها، قد عقدت اتّفاقًا مشروطًا لبيع كامل حصّتها لصالح شركتَي B.Z.L Cement Holding، المملوكة من محمّد زيدان وعائلته، وNorth Pine Holding، المملوكة من جيلبرت ساسين. وفيما لا يرتبط اسم أيّ من المساهمين الحاليّين او اللاحقين بمبادرات بيئيّة كبيرة، يقترن اسم مجموعة هولسيم العالميّة بجوائز مؤسّسة هولسيم للبناء المستدام. وقد أسّست المجموعة هذه المؤسّسة غير الربحيّة عام 2003 للتعبير عن التزامها ببيئة مبنيّة خضراء وتسريع الانتقال نحو مستقبل ذكيّ، دائريّ، شامل، ومنخفض الكربون. وانطلقت الجوائز التنافسيّة المرموقة للمؤسّسة بعد ذلك بعام، ومُنحت حتّى اليوم لأكثر من 340 مشروعًا حول العالم، تنسجم كلّها مع رؤية المؤسّسة القائمة على تحقيق التوازن بين الأداء البيئيّ والمسؤوليّة الاجتماعيّة والنموّ الاقتصاديّ.

الغسيل الأخضر في الخطاب البيئيّ للشركات الثلاث

إنّ التناقض بين أهداف جائزة هولسيم ونشاط المجموعة المستمرّ في صناعة الإسمنت، التي تُشكّل 5٪ من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون (CO₂) البشريّة المسؤولة عن الاحتباس الحراريّ، دفع ببعض المعماريّين إلى الدعوة لمقاطعة هذه الجوائز، واصفين إيّاها بالمثال الصارخ على الغسيل الأخضر للأنشطة المضرّة بالبيئة وحقوق الإنسان التي تقوم بها الشركة الأمّ. كما تؤكّد تقارير منظّمات دوليّة مثل Greenpeace التعارضَ بين جوائز البناء المستدام وواقع التلوّث والمخاطر الصحِّيَّة وانتهاكات حقوق العمّال التي تسبّبت بها مجموعة هولسيم، ولا سيّما بعد اندماجها مع مؤسّسة لافارج الفرنسيّة عام 2015. 

ولا يقتصر اتّهام مجموعة هولسيم بالغسيل الأخضر على الخطاب البيئيّ المرتبط بجوائزها، بل يمتدّ إلى تجاربها في إعادة تأهيل المواقع الطبيعيّة التي دمّرتها، والتي تُقدّمها بوصفها جزءًا أساسيًّا من إستراتيجيّتها البيئيّة. ففي لبنان، تؤكّد هولسيم التزامها بالمعايير التي وضعتها المجموعة العالميّة لإعادة تأهيل المحاجر وإدارة التنوّع البيولوجيّ، بما في ذلك إعادة دمج الأجزاء المستهلَكة من المحاجر في المشهد الطبيعيّ، وإعادة الأرض إلى استخدامات مفيدة ومقبولة من الأشخاص المعنيّين، وتقليل الآثار البيئيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة طويلة الأمد. غير أنّ تعارض هذا الخطاب مع المخالفات البيئيّة للشركة لا يترك مجالًا للشكّ في أنّ خطابها حول معالجة الأضرار التي تُخلّفها صناعة الإسمنت ليس إلّا امتدادًا لممارسات الغسيل الأخضر التي تتّبعها.

ولا يختلف الأمر بالنسبة إلى شركتَي الترابة الوطنيّة وسبلين، إذ يأخذ خطابهما البيئيّ بدوره صبغةً خضراء من شأنها تحويل الأنظار عن المخالفات والانتهاكات البيئيّة المرتبطة بممارساتهما الاستخراجيّة والصناعيّة. وكما في خطاب هولسيم، تبقى مقاربتهما للعمل البيئيّ محصورةً في منطق التعويض اللاحق عن الضرر بدلًا من معالجته جذريًّا، مع استخدام مفردات الاستدامة وإعادة التأهيل والامتثال للمعايير الدوليّة كإطارٍ تبريريّ لاستمرار التوسّع في أنشطتهما.

فعلى سبيل المثال، يعرض الموقع الإلكترونيّ لشركة الترابة الوطنيّة ملخّصًا عن برنامجها البيئيّ الذي أطلقته عام 1995 لإعادة تأهيل المحاجر، وخطّة عملها المستقبليّة للتخفيف من آثار أنشطتها الصناعيّة وإرساء شراكة بين الصناعة اللبنانيّة والمجتمع المحلِّيّ. ويشمل هذا الاستعراض «مشروع الحزام الأخضر» المحيط بمقالع الشركة في بلدة بدبهون–الكورة، الذي أُنجز عام 2012. والمثير أنّ الشركة، بعد أن اشترت نحو نصف أراضي البلدة وحوّلتها من أرض خصبة إلى موادّ أوَّليّة لصناعة الإسمنت، قدّمت مشروع الحزام الأخضر احتفالًا بعيدها الستّين بوصفه نموذجًا للتعويض البيئيّ وخطوةً نحو طمأنة السكّان بأنّ عمليّات الحفر لن تصل إلى القرى المجاورة في المستقبل. غير أنّ التقييم العمليّ لممارسات الشركة يثير الشكوك حول فعاليّة التزاماتها البيئيّة والاجتماعيّة، ومدى قدرة مشاريعها المنجزة على ترميم المناظر الطبيعيّة واستعادة التنوّع البيولوجيّ.  

وتجدر الإشارة هنا إلى تسارع خطاب وممارسات الغسيل الأخضر عالميًّا في العقدَين الماضيَين، وهو ما ترافَقَ مع دعوة جهات دوليّة مختلفة، بما فيها الأمم المتّحدة والبنك الدوليّ ومؤسّسات ماليّة دوليّة أخرى، إلى دمج العوامل البيئيّة والاجتماعيّة والحَوْكَمَة (ESG) في قرارات الشركات والمؤسّسات، بهدف رفع مستوى الاستدامة داخل الأسواق الماليّة وتوطيد مبادئ الاستثمار المسؤول في ظرف التغيّر المناخيّ. إلّا أنّ كثيرًا من هذه الشركات والمؤسّسات استغلّت هذا التوجُّه لتحسين صورتها، ولا سيّما أنّ البيانات المقدَّمة في تقارير الاستدامة التي تُعدّها غالبًا ما تكون غير مُدقَّقة، وبالتالي غير موثوقة.3 وينطبق الأمر على شركات الإسمنت الثلاث في لبنان، إذ إنّها تبنّت الخطاب البيئيّ العالميّ لتجميل ممارساتها من دون معالجة جوهريّة للأضرار البيئيّة والاجتماعيّة التي تتسبّب فيها. 

بين حماية المشهد الطبيعيّ، وخصخصته، وتسليعه

ليست ممارساتُ حماية الطبيعة المرتبطة بالفاعلين الرئيسيّين في شركتَي الترابة الوطنيّة وسبلين أقلَّ إثارةً للجدل من مبادرات شركات الإسمنت الثلاث لإعادة تأهيل المحاجر. فكما تُظهر تجربتا محميّة جبل موسى ومحميّة أرز الشوف، يمكن لمبادرات الحفاظ على الثروة الطبيعيّة أن تصبح إشكاليّة بحدّ ذاتها عندما تتقاطع مع مصالح اقتصاديّة وشبكات نفوذ تؤدّي إلى خصخصة المشهد الطبيعيّ وتسليعه. 

وبوجهٍ خاصّ، تبرز محميّة جبل موسى (قضاء كسروان) بوصفها نقيضًا للنشاط الصناعيّ الملوِّث لشركة الترابة الوطنيّة، الذي حوّل ساحل شكّا وأجزاءً كبيرة من قضاء الكورة إلى مناطق منكوبة. وقد تشكّلت المحميّة بفضل جهود جمعيّة حماية جبل موسى، التي يرأسها بيار ضومط، ونجحت في إنشاء حمى وطنيّ (غابة محميّة) في هذا الجبل ضمن العقارات التابعة لمشاع بلدة غبالة (منطقة نهر الذهب العقاريّة)، بقرارٍ صدر عن وزير الزراعة عام 2008. وبعد ذلك، وقّعت الجمعيّة عقد إيجارٍ لمدّة عشر سنوات مع المؤسّسات الدينيّة (البطريركيّة المارونيّة وعدّة أوقاف كنسيّة) التي تملك مساحاتٍ واسعة من الجبل، وتمكّنت من إقناع الحكومة اللبنانيّة بأهمِّيَّة حماية الموقع وفق الاتّفاقيّات الدوليّة.4 ونتيجة هذه المساعي، أصبح موقع جبل موسى الطبيعيّ والقرى المحيطة به جزءًا من شبكة محميّات المحيط الحيويّ التابعة لليونسكو عام 2009. وسعت الجمعيّة بعد ذلك إلى توسيع الرقعة المحميّة، ونجحت عام 2012 في تصنيف عدّة عقارات في نهر الذهب كموقع طبيعيّ خاضع لحماية وزارة البيئة. ولحق مرسوم التصنيف قرارٌ من وزير البيئة عام 2015 منع الصيد البرِّيّ في الموقع المحميّ وفي بعض المشاعات والأملاك الخاصّة الواقعة في محيطه.

وفي المحصّلة، أدّى تطبيق إجراءات نظام الحماية البيئيّة في جبل موسى إلى تطويق مساحاتٍ واسعة من الأراضي وإحداث تغييراتٍ ملموسة في أنماط استخدامها، الأمر الذي أثار اعتراضاتٍ محلِّيَّة، ولا سيّما من الرعاة التقليديّين بسبب تقييد دخولهم إلى المنطقة المحميّة وتغيير أشكال الاستعمال التاريخيّ للأرض.5 ومع ذلك، تُعَدّ محميّة جبل موسى نموذجًا ناجحًا من المحميّات في لبنان ووجهةَ سياحةٍ بيئيّة معروفة محلّيًّا وإقليميًّا؛ فهي تمتدّ على مساحةٍ شاسعة (نحو 6500 هكتار)، وتجمع بين ملكيّاتٍ عامّة وخاصّة، وتخضع لإدارة بيئيّة توصَف بـ "المبتكرة" ناحية دمج المجتمع الأهليّ في أنشطةٍ مدرّة للدخل. وقد دفع هذا النجاح جمعيّة حماية جبل موسى عام 2018 إلى التفاوض مع المؤسّسات الدينيّة المالكة أجزاءً من المحميّة على عقد إيجارٍ قابل للتجديد لمدّة خمسين عامًا.6 

وعلى غرار محميّة جبل موسى، تبرز محميّة أرز الشوف بوصفها نقيضًا للنشاط الصناعيّ الملوِّث لشركة سبلين التي حوّلت بلدة سبلين وشاطئها إلى مناطق موبوءة. وقد تمّ إنشاء هذه المحميّة عام 1996 بمبادرةٍ من جمعيّة أرز الشوف برئاسة وليد جنبلاط، وأُدرجت عام 2005 ضمن شبكة محميّات المحيط الحيويّ التابعة لليونسكو. وهي تضمّ اليوم منطقتَين، حزاميّة وانتقاليّة، واسعتَين تمتدّان جغرافيًّا عبر عددٍ من القرى والبلدات. وتُعَدّ محميّة أرز الشوف أنجح المحميّات في لبنان، كما تحظى بمكانةٍ مميّزة على القائمة الخضراء للمحميّات الطبيعيّة في العالم العربيّ التي يضعها الاتّحاد الدوليّ لحماية الطبيعة، وهي بمثابة شهادةٍ عالميّة على فعاليّة الحَوْكَمَة والإدارة المستدامة للمناطق المحميّة. وكما في حالة جبل موسى، يضمّ النطاق الحيويّ للمحميّة ملكيّاتٍ عامّة وخاصّة، وتدمج برامجها الحمايةَ البيئيّة بأنشطةٍ سياحيّة محلِّيَّة تهدف إلى خلق فرص عمل ومصادر دخل لسكّان البلدات المحيطة بها. إلّا أنّ هذا النجاح يترافق مع خصخصة الطبيعة وتسليعها، بما في ذلك الموارد المائيّة، علمًا أنّ شركة أكوافينا التابعة لشركة بيبسيكو الأميركيّة تتمتّع بامتياز تعبئة وبيع مياه للشرب من نطاق المحميّة.

ومن هذا المنطلق، تطرح محميّتا أرز الشوف وجبل موسى تساؤلاتٍ مشروعة حول تحويل الطبيعة من عنصرٍ أساسيّ لبقاء الإنسان إلى موردٍ اقتصاديّ خاضع لمنطق السوق والمنافسة. ولا يقتصر هذا التحوُّل على إعادة تأطير المشهد الطبيعيّ والتنوُّع الحيويّ والتراث الثقافيّ ضمن حِزمٍ سياحيّة ومنتجاتٍ محلِّيَّة قابلة للتسويق، بل يشمل أيضًا تبعيّةً متزايدة لآليّات التمويل الخارجيّ، بما يُعيد إنتاج علاقات هيمنةٍ جديدة باسم البيئة والطبيعة، وخلق فرص عمل وتحقيق الحماية المستدامة.

مقاومة الغسيل الأخضر والحماية الفعليّة للبيئة والطبيعة

على الرغم من اختلاف السياقات المحلِّيَّة، لم تنجح المبادرات البيئيّة لشركات الترابة الثلاث في تهدئة غضب المجتمعات المحلِّيَّة المتضرّرة، ولا في استعادة حدٍّ أدنى من الثقة العامّة. كذلك أخفقت المحميّات الطبيعيّة في تلميع صورة أصحاب الشركات الذين انخرطوا في هذه المبادرات في نظر السكّان المتأثّرين مباشرةً بأنشطتهم الصناعيّة. ويعزو بيار ضومط اعتراضات الأهالي إلى مطالب اجتماعيّة متعارضة، تعود إلى حاجة العاملين في قطاع الإسمنت إليه ورغبتهم، في الوقت نفسه، ببيئة غير ملوّثة. ويفتخر بعمل الشركة المتواصل لجعل أنشطتها صديقة للبيئة قدر الإمكان، وبالتزامها "بأعلى المعايير البيئيّة الوطنيّة والدوليّة".

غير أنّ الإعلان الذي أطلقته لجنة كفرحزير البيئيّة بمناسبة اليوم الوطنيّ للمحميّات الطبيعيّة العام الفائت يدحض هذه الادّعاءات، ويشير ضمنًا إلى أمرَين أساسيَّين: (1) رفض منطق الغسيل الأخضر وأدواته، و(2) رفض تحويل بعض المناطق، ولا سيّما بلدات الكورة، إلى ضحيّة لجشع شركات الترابة مقابل سَنّ القوانين والتشريعات البيئيّة التي تُفصَّل وفق أجندات سياسيّة تخدم مصالح أصحاب هذه الشركات، بما فيها إنشاء المحميّات الطبيعيّة في مناطق نفوذهم وبعيدًا عن المناطق التي استُغلَّت لتوسيع نشاطهم الصناعيّ. ويُعمّق هذا التباعد المكانيّ بين مواقع الاستخراج ومواقع الحماية الإحساسَ بازدواجيّة المعايير، ويعزّز قناعة المتضرّرين بأنّ خطاب الحفاظ على الطبيعة يُستخدم أداةً لتحقيق مكاسب سياسيّة واقتصاديّة، لا التزامًا فعليًّا بحماية البيئة وتحقيق العدالة في توزيع الأضرار والمنافع.

واستنادًا إلى المطالب المحلِّيَّة، تبرز ضرورة مقاربة حماية البيئة والطبيعة بما يتجاوز منطق المشاريع المعزولة ومسؤوليّة الشركات وحدها. وترتكز هذه المقاربة على ثلاثة أركان أساسيّة، وعلى مشاركة القطاعَين الخاصّ والعامّ والمجتمعات المحلِّيَّة في عمليّة صنع القرار:

1- التخطيط الإقليميّ الإستراتيجيّ المتكامل

إنّ الانطلاق من توصيات الخطّة الشاملة لترتيب الأراضي اللبنانيّة لناحية المواقع الصالحة للمقالع والكسّارات يُعَدّ أمرًا أساسيًّا لإعادة تحديدها جغرافيًّا بموجب الأطر القانونيّة والتنظيميّة للقطاع. كذلك يُعَدّ اعتماد الخطّة الشاملة أساسيًّا للحفاظ على تواصل المشهد الطبيعيّ وربط المناطق المختلفة بما يعزّز علاقاتها المادِّيَّة والاقتصاديّة وأطر التنسيق والتعاون في ما بينها. ويشمل ذلك بلورة سياسات تنمويّة إقليميّة عادلة لمعالجة التوزيع غير المتكافئ للأضرار البيئيّة الناجمة عن الصناعات الاستخراجيّة والملوِّثة، ووضع إستراتيجيّات إداريّة تُعيد توزيع العوائد الماليّة المتعلّقة بالحفاظ على البيئة بما يحدّ من منطق الفصل المكانيّ وتدهور مناطق معيّنة مقابل ازدهار أخرى.

2- الضمانات الاجتماعيّة والبيئيّة

إنّ الضمانات البيئيّة والاجتماعيّة غير كافية، وهي غير مُطبَّقة بالشكل الكافي في لبنان، ممّا يعرّض المجتمعات والنُّظم البيئيّة لآثار الأنشطة الصناعيّة السلبيّة المتراكمة، ومن ضمنها الإسمنت. وفي الوقت نفسه، أتاح غياب سياسات الحماية الشاملة إعادة تشكيل المناظر الطبيعيّة بما يخدم مصالح الفئات النافذة على حساب الحقوق الاجتماعيّة والعدالة البيئيّة. ويستدعي هذا الواقع تدخّلاتٍ سياساتيّة عاجلة لإقرار ضمانات واضحة ومُلزِمة للحدّ من الأضرار البيئيّة والصحِّيَّة، وحماية حقوق السكّان المتأثّرين بالأنشطة الصناعيّة ومبادرات حماية المشهد الطبيعيّ على حدّ سواء. ويشمل ذلك تطوير أدوات فعّالة لمعالجة أسباب الضرر المتراكم وتعويض الخسائر البنيويّة التي لحقت بالأراضي والمياه ونوعيّة الحياة.

3- المساءلة والمحاسبة

يشكّل التدقيق في الممارسات البيئيّة للشركات الصناعيّة، ومديريها، ومؤسّسيها، ومموّليها، والمستثمرين الرئيسيّين فيها، ركيزةً أساسيّة لتفكيك منطق الغسيل الأخضر ومساءلة الملوِّثين ومحاسبتهم. ويتطلّب ذلك إخضاع الشركات والجهات المعنيّة والأشخاص البارزين المرتبطين بها لآليّات رقابة فعّالة ومستقلّة تحول دون توظيف خطابهم البيئيّ للتخفيف من مسؤوليّتهم عن التدهور البيئيّ وكلفته العالية على المجتمعات المحلِّيَّة. ويشمل ذلك ضمان الشفافيّة في تقييم الأثر البيئيّ، وربط الالتزامات البيئيّة بتَبِعات قانونيّة واضحة على قاعدة «الملوِّث يدفع»، مع إنزال عقوبات رادعة بحقّ المسؤولين عن الأضرار البيئيّة.

وتُشكّل هذه الأركان الثلاثة قاعدةً أساسيّة للحَوْكَمة البيئيّة والإدارة المستدامة للموارد الطبيعيّة ضمن أُطُر تعاون وتنسيق بين مختلف الجهات المعنيّة على المستويات الوطنيّة والمحلِّيَّة، مع الحرص على الشفافية والاستقلاليّة عن نفوذ الصناعيّين والسياسيّين والمموّلين. وبذلك، هي تُشكّل أيضًا نقطةَ انطلاق نحو وضع سياسات عامّة أكثر عدالة لحماية البيئة وصَوْن المشهد الطبيعيّ.

 

هذا المقال كُتب ضمن مشروع "المناخ والأرض والحقّ" بالتعاون مع المفكرة القانونية.


1. نزار صاغية ورين إبراهيم، المقالع تقضم الجبال: صناعة نظام اللاقانون، المفكّرة القانونيّة بالتعاون مع مبادرة سياسات الغد، كانون الأوّل 2025. https://legal-agenda.com/المقالع-تقضم-الجبال-صناعة-نظام-اللاقا/

2. المرجع السابق.

3. Ellen Pei-yi Yu, Bac Van Luu, & Catherine Huirong Chen, Greenwashing in environmental, social and governance disclosures. Research in International Business and Finance, 2020, Vol. 54, 101192. https://doi.org/10.1016/j.ribaf.2020.101192

4. Pierre Doumet. Working with Religious Endowments to Set Up a PPA: Jabal Moussa, Lebanon. In Guidelines for Privately Protected Areas, Mitchell, B.A., Ed.; IUCN: Gland, Switzerland, 2018. https://portals.iucn.org/library/sites/library/files/documents/pag-029-en.pdf

5. Ibrahim Dhani, Using Virtual Reality as a Tool for Participatory Planning in Biosphere Reserves: The Case Study of Jabal Moussa, Lebanon, master’s degree thesis, American University of Beirut, 2023. https://scholarworks.aub.edu.lb/items/6baebb9e-bac3-4515-9e56-ac8092a12904

6. Pierre Doumet. Working with Religious Endowments to Set Up a PPA: Jabal Moussa, Lebanon. In Guidelines for Privately Protected Areas, Mitchell, B.A., Ed.; IUCN: Gland, Switzerland, 2018. https://portals.iucn.org/library/sites/library/files/documents/pag-029-en.pdf

From the same author

view all

More periodicals

view all
Search
Back to top