The Policy Initiative

  • eng
    • share
  • subscribe to our mailing list
    By subscribing to our mailing list you will be kept in the know of all our projects, activities and resources
    Thank you for subscribing to our mailing list.
02.16.26

كيف يهدّد الاستيلاء على الأراضي في العالم العربيّ مستقبلَنا المشترك

رامي زريق,
غنوى حريق

في صباحٍ من صباحات قرية ضانا، الواقعة عند أطراف المرتفعات الجنوبيّة في الأردن، فوجئت العائلات الرعويّة بسياجٍ جديدٍ يقطع مراعيها. ومن دون أيّ إنذار، كانت المنطقة قد أُعلِنت محميّة طبيعيّة تابعة للحكومة. وبينما عرضت السلطات المشروع بوصفه خطوةً نحو الاستدامة البيئيّة، لم تُستشَر العائلات التي اعتمدت على تلك الأرض لأجيال، ولم تُبلّغ مسبقًا. في الوقت نفسه، في قريةٍ أخرى في جبال الأطلس الكبير بالمغرب، استيقظت عائلات أمازيغيّة رعويّة لتجد مراعيها الموروثة قد أُعيد تصنيفها بين ليلةٍ وضحاها، بحيث عُدَّت مناطق غابات تديرها الدولة في إطار مبادرةٍ لإعادة التشجير. وبالرغم من أنّ المسؤولين قدّموا المشروع على أنّه إنجاز بيئيّ، فإنّ المجتمعات التي رعت تلك الأراضي قرونًا لم تُستشر ولم تُعوَّض. لقد تمّ تجاوز الهياكل العرفيّة لإدارة الأراضي وتجاهل المطالب التاريخيّة للسكّان. هذه المشاهد أصبحت رمزًا لنمطٍ أوسع يمتدّ في أنحاء العالم العربيّ، حيث تُروَّج مشاريع التنمية تحت شعار الاستدامة والعمل المناخيّ، بينما تُجرِّد المجتمعات المحلِّيَّة بصمتٍ من ممتلكاتها. خلف وعود التحوّل الأخضر تكمن أزمة متنامية: استيلاء صامت على الأراضي والموارد الطبيعيّة باسم التقدّم البيئيّ.

يتناول هذا المقال الظاهرة المتنامية لما يُعرَف بـ«الاستيلاء الأخضر» في المنطقة العربيّة، أي عمليّات اكتساب الأراضي أو خصخصتها باسم الحماية البيئيّة أو الطاقة المتجدّدة أو الاستدامة. وعلى الرغم من أنّ مثيلات هذه المشاريع تدّعي التوافق مع أهداف التنمية المستدامة (SDGs)، فإنّ آثارها الواقعيّة غالبًا ما تقوّض تلك الأهداف نفسها. فبدلًا من أن تُسهم في الحدّ من الفقر وتعزيز المساواة وحماية البيئة، يؤدّي الاستيلاء الأخضر إلى تعميق التهميش، وإفقار سُبُل العيش، أضِف إلى ذلك إلحاق الضرر بالنظم البيئيّة التي يُفترض أن يحميها. ويؤكّد المقال أنّه ما لم تُدمَج مبادئ العدالة والحقوق في سياسات الاستدامة، فإنّ المنطقة العربيّة مهدّدة بإحلال شكلٍ من أشكال اللامساواة مكان آخر.

يواجه العالم العربيّ تقاطعًا بين تحدّيات بنيويّة متفاقمة: تفاقم ندرة الأراضي، وتزايد الضغط على الموارد المائيّة، وتزايد الهشاشة المناخيّة، وتفاوتات اجتماعيّة واقتصاديّة عميقة الجذور. وفي هذا السياق، تُستقبل الاستثمارات «الخضراء»، مثل مزارع الطاقة الشمسيّة، ومشاريع إعادة التشجير، والمناطق المحميّة، بحسبانها حلولًا جاهزة. غير أنّ هذه المبادرات تُخفي في طيّاتها مشكلة أعمق، وهي الإقصاء. فهي ليست محايدة، بل تعيد تشكيل علاقات الملكيّة بالأرض، وتُركّز الموارد في أيدي النخب، وتُشرّد المجتمعات التي استخدمت هذه الأراضي ورعتها وحافظت عليها طويلًا. ويزدهر الاستيلاء الأخضر في البيئات التي تتّسم بغموض حقوق الحيازة، وبضعف الحوكمة، وبسيطرة أجندات التنمية الموجَّهة بالسوق. وعلى الرغم من أنّ هذه المشاريع تبدو بيئيّة على الورق، فإنّ تنفيذها غالبًا ما يقدّم الربح والمكانة الجيوسياسيّة على حساب الفائدة الاجتماعيّة أو البيئيّة الحقيقيّة.

النتيجة الأولى والأكثر وضوحًا للاستيلاء الأخضر تكمن في ضرب سُبُل العيش الريفيّة في الصميم، ممّا يُقوِّض الهدف الأوّل من أهداف التنمية المستدامة (القضاء على الفقر) والهدف الثاني منها (القضاء على الجوع). ففي مختلف أنحاء المنطقة، تسبّبت عمليّات الاستيلاء الواسعة على الأراضي، المبرَّرة باسم الحماية البيئيّة أو الأمن الغذائيّ، في تهجير المزارعين والرعاة والصيّادين من الأراضي التي كانت مصدر رزقهم. لا تعتمد هذه المجتمعات على الأراضي الزراعيّة فحسب، بل على مسارات الرعي والأراضي الرطبة والمناطق الساحليّة، وهي مساحات يُعاد تصنيفها اليوم، وبشكل متزايد، ضمن مشاريع التنمية «الخضراء». سواء أكان ذلك عبر الأسوار البيئيّة أو محطّات الطاقة الشمسيّة أو مشاريع استصلاح الأراضي، فالنتيجة واحدة: فقدان الوصول إلى الموارد الأساسيّة. ومن دون بدائل فعليّة، يُدفَع كثيرون إلى العمل المأجور الهشّ أو إلى النزوح القسريّ نحو المدن المكتظّة بالسكّان، ما يؤدّي إلى تفكّك النظم الغذائيّة المحلِّيَّة وانهيار الاقتصادات غير الرسميّة التي كانت تحمي المجتمعات من الصدمات الاقتصاديّة. وهكذا تفوق الخسائر الاجتماعيّة والاقتصاديّة أيّ مكاسب بيئيّة محتملة. إنّ أيّ مكاسب بيئيّة أو إنتاجيّة غذائية تحقّقها مثل هذه المشاريع تقابلها زيادة في عدم المساواة وانعدام الأمن الغذائيّ وتآكل الممارسات التقليديّة المَرِنة.

وعلاوةً على الخسائر المادّيّة، يُعمِّق الاستيلاء الأخضر اللامساواة ويفكّك النسيج الاجتماعيّ، فيقوِّض الهدف الخامس من التنمية المستدامة (المساواة بين الجنسَين) والهدف العاشر منها (الحدّ من أوجه عدم المساواة). غالبًا ما تعود فوائد مشاريع التنمية القائمة على الأراضي إلى النخب الوطنيّة، والمستثمرين الأجانب، أو الشركات ذات الصلات السياسيّة، فيما تتحمّل الفئات المهمَّشة – وبخاصّة النساء والشعوب الأصيلة والأقليّات الإثنيّة – العبء الأكبر، من دون أن تُشرك في التخطيط أو صنع القرار. وتزداد هشاشة النساء حين تستند حقوق الملكيّة إلى أنظمة عرفيّة غير المعترف بها قانونًا؛ فإذا جرى الاستيلاء على الأرض أو إعادة تخصيصها، زالت تلك الحقوق ومعها القدرة على الوصول إلى موارد الوقود والمياه والإنتاج الغذائيّ. ويؤدّي فقدان الاستقلاليّة هذا إلى مضاعفة الفوارق الجندريّة وإضعاف دور النساء داخل الأسرة والمجتمع المحلِّيّ. وفي الوقت نفسه، تزرع آليّات توزيع المنافع غير العادلة بذور التوتّر والتنافس بين الجماعات، فتفكّك البنى الاجتماعيّة المحلِّيَّة. وهذه الأكلاف الخفيّة للتنمية «الخضراء» نادرًا ما تُذكَر في الإعلام، لكنّها تُشكّل واقع الحياة اليوميّة وتحدّد قدرة المجتمعات على الصمود على المدى الطويل.

والمفارقة أنّ المشاريع المصمَّمة لحماية البيئة كثيرًا ما تسبّب أضرارًا بيئيّة فادحة، فتناقض الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة (المياه النظيفة والصرف الصحِّيّ) والهدف الخامس عشر منها (الحياة في البرّ). ذلك أنّ المشاريع الزراعيّة «الذكيّة مناخيًّا» أو «المستدامة» غالبًا ما تعتمد على الريّ الكثيف، ما يزيد الضغط على الموارد المائيّة الشحيحة أصلًا. وفي البلدان الجافّة، تفاقمت أزمة استنزاف المياه الجوفيّة وتحويل مجاري الأنهار نتيجة مشاريع الزراعة الموجَّهة للتصدير وبرامج «تخضير الصحراء». وبالمثل، تتطلّب مشاريع الطاقة المتجدّدة، مثل حقول الشمس ومزارع الرياح، مساحات أراضٍ شاسعة، وقد تدمّر، على إثرها، مواطن طبيعيّة، وتقطع ممرّات الحياة البرِّيّة، وتُضعف النظم البيئيّة الصحراويّة الهشّة. وتُفاقم الزراعة الصناعيّة المرتبطة بالاستيلاء على الأراضي التدهور عبر تسرّب المواد الكيميائيّة واستنزاف التربة وتلوّث المياه. تكشف هذه الأكلاف الإيكولوجيّة التناقضات الكامنة في صميم التنمية «الخضراء»؛ فحين تُنفَّذ المشاريع بمعزل عن فهمٍ عميق للنظم البيئيّة المحلِّيّة واحتياجات المجتمعات المحلِّيَّة، تُنتِج أعباءً بيئيّة جديدة بدلًا من التخفيف من القائم منها.

كذلك، يضاعف تآكل الحقوق والمؤسّسات حجم الأزمة، إذ يزدهر الاستيلاء الأخضر في البيئات التي تضعف فيها الحماية القانونيّة وتغيب فيها آليّات المساءلة – ما يُقوِّض الهدف السادس عشر من أهداف التنمية المستدامة (السلام والعدالة والمؤسّسات القويّة) والهدف السابع عشر منها (الشراكات من أجل الأهداف). فما زالت قوانين الأراضي في كثيرٍ من الدول العربيّة متأثّرة بالإرث الاستعماريّ الذي صنّف مساحات شاسعة ملكًا للدولة، متجاهلًا الاستخدام الجماعيّ الطويل الأمد. وتُستغلّ هذه المناطق الرماديّة القانونيّة، بشكل روتينيّ، لتسهيل الصفقات بأدنى قدرٍ من الشفافية. كما تؤدّي المحسوبيّة والفساد إلى نقل الملكيّات بلا استشارة ولا تعويض. وفي البلدان التي تشهد عدم استقرار سياسيّ، مثل ليبيا واليمن والعراق، تتحوّل الأرض إلى مورد إستراتيجيّ بين القوى المتنازعة، ما يزيد حدّة الصراع. أمّا في السياقات الأكثر استقرارًا، فغالبًا ما تكون الشراكات المتعلّقة بالاستثمارات الخضراء انتقائيّة وإقصائيّة، إذ تُعقَد الترتيبات من الأعلى بين الحكومات والمستثمرين من دون موافقة حرّة ومسبقة ومستنيرة من المجتمعات المعنيّة. ومع تآكل الثقة بالمؤسّسات، تتصاعد الاحتجاجات وأوجه المقاومة، كاشفةً هشاشة أسس هذه «الشراكات المستدامة» المزعومة.

تُظهر الوقائع الميدانيّة راهنيّة الحاجة إلى إعادة التفكير في المسار القائم. ففي مصر، جرى تهجير مجتمعات بدويّة بفعل مشاريع استصلاح الأراضي التي يروَّج لها بوصفها حلولًا لانعدام الأمن الغذائيّ وللتدهور البيئيّ. وفي الأردن، حُرم الرعاة من مراعيهم التقليديّة الضروريّة لكسب عيشهم بسبب إنشاء المحميّات الوطنيّة. أمّا في فلسطين، فتتداخل عمليّات الاستيلاء على الأراضي مع واقع الاحتلال الطويل والتحكّم العسكريّ، بحيث يغدو الخطاب البيئيّ غير منفصل عن نزع الملكيّة السياسيّة. تكشف هذه الحالات أنّ الاستيلاء على الأراضي ليس مجرّد مسألة تقنيّة أو اقتصاديّة، بل هو فعل سياسيّ عميق التأثير، يتقاطع مع الأبعاد الاجتماعيّة والثقافيّة والبيئيّة. فخلف كلّ سياجٍ لإعادة التشجير، أو مزرعة شمسيّة، حكاية إنسانٍ أُقصي وهُمِّش صوته.

وللمضيّ قُدُمًا، على المنطقة العربيّة أن تتخلّى عن الوهم القائل إنّ «الأخضر» خيرٌ في ذاته. فالاستدامة الحقيقيّة تتطلّب ما هو أبعد من الحلول التقنيّة أو حسابات الكربون؛ إنّها تستلزم العدالة والمشاركة والمساءلة. ويبدأ ذلك بالاعتراف بالحقوق العرفيّة في الأراضي وحمايتها، ولا سيّما حقوق النساء والفئات المهمَّشة. كما يجب على الحكومات والمستثمرين تضمين مبدأ الموافقة الحرّة والمسبقة والمستنيرة (FPIC) في القوانين والممارسات، بما يضمن أن يكون للمجتمعات صوتٌ فعليّ في القرارات التي تمسّ أراضيها ومستقبلها. وينبغي أن تصبح حوكمة الأراضي أكثر شفافية، قائمةً على بيانات متاحة ورقابة عامّة وآليّات تظلُّم فعّالة تحقّق العدالة للمتضرّرين. ينبغي إعادة تخيّل التنمية من الأساس، لا أن تُفرَض من الأعلى، بل أن تُبنى بالشراكة مع مَن تُفترض خدمتهم.

وفي الختام، إنّ الاستيلاء على الأراضي المتستّر برداء الاستدامة لا يهدّد حقوق الأفراد فقط، بل مستقبل العالم العربيّ بأسره. فالأهداف العالميّة للتنمية المستدامة تُمثّل رؤية جريئة وضروريّة لرفاهيّة الإنسان والكوكب، لكنّها لن تتحقّق عبر نماذج استغلاليّة من أعلى إلى أسفل تُقصي الضعفاء. تمتلك المنطقة فرصة رياديّة لاعتماد مقاربات شاملة تستند إلى الحقوق في إدارة البيئة – إذا استعادت مفهوم الاستدامة من قوى الإقصاء. إنّ تعزيز حركات الدفاع عن حقوق الأرض، والمطالبة بالمساءلة من الجهات الفاعلة العامّة والخاصّة، وإدماج العدالة في الاستثمارات الخضراء، كلّها خطوات لبناء مستقبلٍ تُحقَّق فيه الاستدامة للجميع حقًّا.

 

يستند هذا المقال إلى دراسة أكاديميّة مرتقبة للمؤلّفَيْن بعنوان: «الاستيلاء الأخضر في المنطقة العربيّة: الدوافع والآثار على الاستدامة». وهو جزءٌ من مشروع بحثيّ تعاوني بعنوان: "المناخ والأرض والحقّ: السعي للعدالة الاجتماعية والبيئية في المنطقة العربية" تحت إشراف منى خشن وسامي عطاالله.

 


Related Output

view all

From the same author

view all

More periodicals

view all
Search
Back to top